أبو الليث السمرقندي
23
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وصحبته ، فقال عبد اللّه بن مسعود : ونحن نحتسب لكم إيمانكم به ولم تروه ، وإن أفضل الإيمان الإيمان بالغيب ، ثم قرأ عبد اللّه الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وقد قيل : ( يؤمنون بالغيب ) يعني يصدقون بالبعث بعد الموت . وقوله تعالى : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ، أي يديمون الصلاة ، وقد قيل أيضا : إن العبد يديم الصلاة وقد قيل : يحافظون على الصلوات الخمس بمواقيتها وركوعها وسجودها والتضرع بعدها . وقد قيل : إن العبد إذا صلى صلاة تقبل منه ، خلق اللّه تعالى منها ملكا يقوم ويصلي للّه إلى يوم القيامة ، وثوابه لصاحب الصلاة فهذا معنى قوله : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ . وقوله عز وجل : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي يتصدقون ، قال الكلبي : وهو زكاة المال . وروى أسباط ، عن السدي ، عن أصحابه قال : هي نفقة الرجل على أهله وهذا قبل نزول آية الزكاة . ويقال : ينفقون أي يتصدقون صدقة التطوع . ويقال : هي عليهم جميعا التطوع والفريضة . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 4 إلى 5 ] وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني بالقرآن قوله : وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يعني التوراة والإنجيل وسائر الكتب ، ويقال : لما نزلت هذه الآية الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قالت اليهود والنصارى : نحن آمنا بالغيب ؛ فلما قال : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ قالوا : نحن نقيم الصلاة ؛ فلما قال : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ قالوا : نحن ننفق ونتصدق . فلما قال : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ نفروا من ذلك . وقوله : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أي يقرّون يوم القيامة ، والجنة والنار ، والبعث ، والحساب ، والميزان . واليقين على ثلاثة أوجه : يقين عيان ، ويقين خبر ، ويقين دلالة . فأما يقين العيان : إذا رأى شيئا ، زال عنه الشك في ذلك الشيء ، وأما يقين الدلالة : هو أن يرى دخانا يرتفع من موضع ، يعلم باليقين أن هناك نارا وإن لم يرها ؛ وأما يقين الخبر : فإن الرجل يعلم باليقين أن في الدنيا مدينة يقال لها بغداد ، وإن لم يكن يعاينها . فهاهنا يقين خبر ، ويقين دلالة ، أن الآخرة حق ولكن تصير معاينة عند الرؤية . ثم قال عز وجل : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ يعني أهل هذه الصفة الذين سبق ذكرهم على بيان من اللّه تعالى ، أي أكرمهم اللّه تعالى في الدنيا حيث هداهم ، وبين لهم طريقهم . وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ في الآخرة ، أي الناجون . يعني أن اللّه تعالى أكرمهم في