أبو الليث السمرقندي
22
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
إنسان يدرك العلم بمقدار عقله . وكل ما ذكر في القرآن من الحروف المقطعة ، فتفسيره نحو ما ذكرنا هاهنا ؛ واللّه أعلم بالصواب . قوله عز وجل : ذلِكَ الْكِتابُ أي هذا الكتاب لا رَيْبَ فِيهِ أي لا شك فيه أنه مني ، لم يختلقه محمد من تلقاء نفسه . وقد يوضع ذلك بمعنى هذا ، كما قال القائل : أقول له والرمح يأطر متنه * تأمّل خفافا أنّني أنا ذلكا يعني هذا . وقال بعضهم : معناه ذلك الكتاب الذي كنت وعدتك يوم الميثاق أن أوحيه إليك ، وقال بعضهم : معناه ذلك الكتاب الذي وعدت في التوراة والإنجيل أن أنزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم . وروي عن زيد بن أسلم أنه قال : أراد بالكتاب اللوح المحفوظ ، يعني الكتاب ثبت في اللوح المحفوظ . وقوله : لا رَيْبَ فِيهِ أي لا شك فيه أنه من اللّه تعالى ولم يختلقه محمد من تلقاء نفسه . فإن قيل : كيف يجوز أن يقال : لا شك فيه ؟ وقد شك فيه كثير من الناس وهم الكفار والمنافقون ؟ قيل له : معناه لا شك فيه عند المؤمنين وعند العقلاء . وقيل : معناه لا شك فيه ، أي لا ينبغي أن يشك فيه ، لأن القرآن معجز فلا ينبغي أن يشك فيه أنه من اللّه تعالى . قوله عز وجل : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ أي بيانا لهم من الضلالة للمتقين الذين يتقون الشرك والكبائر والفواحش . فهذا القرآن بيان لهم من الضلالة ، وبيان لهم من الشبهات ، وبيان الحلال من الحرام . فإن قيل : فيه بيان لجميع الناس ، فكيف أضاف إلى المتقين خاصة ؟ قيل له : لأن المتقين هم الذين ينتفعون بالبيان ، ويعملون به فإذا كانوا هم الذين ينتفعون ، صار في الحقيقة حاصل البيان لهم . روي عن أبي روق أنه قال : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ أي كرامة لهم . يعني إنما أضاف إليهم إجلالا وكرامة لهم ، وبيانا لفضلهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 3 ] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) قوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أي يصدقون بالغيب . والغيب : هو ما غاب عن العين ، وهو محضر في القلب . وإنما أراد به أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومن تابعهم إلى يوم القيامة ، أنهم يصدقون بغيب القرآن أنه من اللّه تعالى فيحلون حلاله ، ويحرمون حرامه . ويقال : يؤمنون بالغيب يعني باللّه تعالى . حدثنا الخليل بن أحمد قال : حدثنا الديبلي قال : حدثنا أبو عبيد اللّه ، قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا أصحابنا ، عن الحارث بن قيس أنه قال لعبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - نحتسب بكم يا أصحاب محمد ما سبقتمونا به من رؤية محمد صلى اللّه عليه وسلم