أبو الليث السمرقندي
215
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
أعجب من سائر الخلق ، ومن عجائبه أنه لحم ودم ، يطير بغير ريش ، ويلد كما يلد الحيوان ، ولا يبيض كما تبيض سائر الطيور ، ويكون له ضرع يخرج منه لبن ، ولا يبصر في ضوء النهار ، ولا في ظلمة الليل ، وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة ، وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جدا ، ويضحك كما يضحك الإنسان ، ويحيض كما تحيض المرأة ، فلما أن رأوا ذلك منه ضحكوا . وقالوا : هذا سحر . ثم قال تعالى : وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ الأكمه الذي ولد أعمى فقالوا : إن لنا أطباء يفعلون مثل هذا ، فذهبوا إلى جالينوس ، وأخبروه بذلك فقال جالينوس : إذا ولد أعمى ، لا يبصر بالعلاج ، والأبرص إذا كان بحال إذا غرزت الإبرة فيه لا يخرج الدم منه لا يبرأ بالعلاج ، فرجعوا إلى عيسى - عليه السلام - وجاءوا بالأكمه والأبرص ، فمسح يده عليهما ، فأبصر الأعمى ، وبرأ الأبرص ، فآمن به بعضهم ، وجحد بعضهم . وقالوا : هذا سحر . ثم قال تعالى : وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ فأخبروا بذلك جالينوس . فقال : الميت لا يعيش ، ولا يحيى بالعلاج ، فإن كان هو يحيي الموتى ، فهو نبي ، وليس بطبيب ، فطلبوا منه أن يحيي الموتى ، فأحيا أربعة نفر ، أحدهم عازر ، وكان صديقا له ، فبلغه أنه مات ، فذهب مع أصحابه ، وقد دفن ، وأتى عليه أيام ، فدعا اللّه ، فقام بإذن اللّه تعالى وودكه يقطر ، فعاش وولد له . والثاني ابن العجوز ، مرّ به وهو يحمل على سرير ، فدعا اللّه ، فقام بإذن اللّه تعالى ، ولبس ثيابه ، وحمل السرير على عنقه ، ورجع إلى أهله . والثالث ابنة من بنات العاشر ماتت ، وأتى عليها ليلة ، فدعا اللّه تعالى ، فعاشت بعد ذلك ، وولد لها . والرابع سام بن نوح ، لأن القوم قالوا له : إنك تحيي من كان موته قريبا ، فلعلهم لم يموتوا ، وأصابتهم سكتة ، فأحيي لنا سام بن نوح . فقال : دلوني على قبره ، فخرج وخرج القوم معه حتى انتهوا إلى قبره ، فدعا اللّه تعالى ، فأحياه وخرج من قبره قد شابت رأسه . فقال له عيسى : كيف شابت رأسك ولم يكن في زمانكم شيب ؟ فقال : يا روح اللّه إنك لما دعوتني ، سمعت صوتا يقول أجب روح اللّه ، فظننت أن القيامة قد قامت ، فمن ذلك الهول شابت رأسي ، فسأله عن النّزع . فقال له : يا روح اللّه إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي ، وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة ، ثم قال للقوم : صدقوه فإنه نبي اللّه ، فآمن به بعضهم ، وكذب به بعضهم . وقالوا : هذا ساحر ، فأرنا آية نعلم أنك صادق ، فأخبرنا بما نأكل في بيوتنا ، وما ندّخر للغد ، فأخبرهم . فقال : يا فلان أنت أكلت كذا وكذا ، وأنت أكلت كذا وكذا ، وادّخرت كذا وكذا ، فذلك قوله عز وجل : وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ فمنهم من آمن به ، ومنهم من كفر . ويقال إن اللّه بعث كل نبي إلى قومه ، وأظهر لهم نوع ما كانوا يعرفونه ، فكان في زمن موسى - عليه السلام - الغالب عليهم السحر ، فبيّن لهم من جنس ذلك ، ليعرفوا أن ذلك ليس