أبو الليث السمرقندي

210

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

فَقالَتْ مريم هُوَ أي هذا الرزق مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي من فضل اللّه إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ في غير حينه . ويقال : من حيث لا يحتسب . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 38 ] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 ) هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ يقول عند ذلك طمع في الولد ، وكان آيسا من ذلك ، وكان مفاتيح بيت القربان عند آبائه ، وقد صار ذلك بيده ، وكان يخشى أن يخرج من أهل بيته إذا مات . فقال عند ذلك : إن اللّه قادر على أن يأتيها برزق الشتاء في الصيف ، وبرزق الصيف في الشتاء ، فهو قادر أن يرزق لي الولد بعد الكبر فذلك قوله تعالى : هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أي من عندك ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً أي من عندك تقية مهذبة . ويقال : مستوي الخلق . ويقال : مسلمة مطيعة . ويقال : تقية إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ أي مجيب له . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 39 إلى 40 ] فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 40 ) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ قرأ حمزة والكسائي بالياء ، أي جبريل - عليه السلام - وإنما صار مذكرا على معنى الجنس ، كما يقال : فلان ركب السفن ، وإنما ركب سفينة واحدة ، وقرأ الباقون ، فنادته على معنى التأنيث ، لأن اللفظ لفظ الجماعة ، والمراد به أيضا جبريل أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى قرأ حمزة وابن عامر : إن اللّه يبشرك ، بكسر الألف ، ومعناه : فنادته الملائكة . وقالوا له : إن اللّه يبشرك . وقرأ الباقون بالنصب ، ومعناه : فنادته الملائكة ، بأن اللّه يبشرك بيحيى قال مقاتل : اشتق اسمه من اسم اللّه تعالى ، واللّه تعالى حي ، فسماه اللّه تعالى يحيى ، ويقال : لأنه أحيا به رحم أمه . ويقال : لأنه حي به المجالس . ويقال غير ذلك بِيَحْيى ، بأن اللّه يحييه ، فيكون حيا عند اللّه أبدا ، لأنه شهيد قال اللّه تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ [ آل عمران : 169 ] ثم قال تعالى : مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ يعني بعيسى - عليه السلام - وكان يحيى أول من صدق بعيسى عليهما السلام ، وهو ابن ثلاث سنين ، فشهد له أنه كلمة اللّه وروحه ، فلما شهد بذلك يحيى ، عجب بنو إسرائيل لصغره ، فلما شهد سمع زكريا شهادته ، فقام إلى عيسى ، فضمه إليه ، وهو في خرقه ، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين . وقال بعضهم صدقه وهو في بطن أمه ، كانت أم يحيى عند مريم ، إذ سجد يحيى بالتحية لعيسى ، وكل واحد منهما كان