أبو الليث السمرقندي
209
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
فيستهلّ صارخا من الشّيطان ، إلّا مريم وابنها عيسى عليهما السّلام » ، قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ وقال الزجاج : معنى قوله إِذْ يعني إن اللّه اختار آل عمران ، إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ : واصطفاهم ، إذ قالت الملائكة . وقال أبو عبيدة : معناه قالت امرأة عمران ، وقالت الملائكة و « إذ زيادة . وقال الأخفش : معناه واذكر إذ قالت امرأة عمران ، واذكر إذ قالت الملائكة ، وقال أهل اللغة : المحرر والعتيق في اللغة بمعنى واحد ، ثم إن حنة لفتها في خرق ، ثم وضعتها في بيت المقدس عند المحراب ، فاجتمعت القراء ، أي الزهاد فقال زكريا : أنا أحق بها ، لأن خالتها عندي . فقال القرّاء : إن هذه محررة ، فلو تركت لخالتها ، فكانت أمها أحق بها ، ولكن نتساهم ، فخرجوا إلى عين سلوان ، فألقوا أقلامهم في النهر . قال بعضهم : كانت أقلامهم من الشّبّة ، فغابت أقلامهم في الماء ، وبقي قلم زكريا على وجه الماء . وقال بعضهم كانت أقلامهم من قصب ، فبقيت أقلامهم على وجه الماء ، وغاب قلم زكريا في الماء . وقال بعضهم : ألقوا أقلامهم في النهر ، فسال الماء بأقلامهم إلا قلم زكريا ، فإنه جرى من الجانب الأعلى ، فعلموا أن الحق له ، فضمّها إلى نفسه فذلك قوله تعالى : فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ أي تقبل منها نذرها وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وقال مجاهد غذاها غذاء حسنا ، ورباها تربية حسنة وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا قرأ حمزة وعاصم والكسائي بالتشديد ، أي كفلها اللّه إلى زكريا . وقرأ الباقون بالتخفيف ، أي ضمها زكريا إلى نفسه ، وقرأ حمزة وعاصم والكسائي في رواية حفص زكريا بغير إعراب ، وجزم الألف . وقرأ الباقون بالإعراب والمد ، وهما لغتان معروفتان عند العرب ، فمن قرأ كفلها بالتشديد ، قرأ زكريا بنصب الألف ، لأنه يصير مفعولا ، ومن قرأ كفلها بالتخفيف قرأ زكريا برفع الألف على معنى الفاعل . وذكر في الخبر أن زكريا بنى لها محرابا في غرفة ، وجعل باب الغرفة في وسط الحائط ، لا يصعد إليها إلا بسلم ، واستأجر ظئرا ، فكان يغلق عليها الباب ، وكان لا يدخل عليها أحد إلا زكريا حتى كبرت ، فإذا حاضت أخرجها إلى منزله ، فتكون عند خالتها ، وكانت خالتها امرأة زكريا . وهذا قول الكلبي . وقال مقاتل : كانت أختها امرأة زكريا ، وكانت إذا طهرت من حيضها ، واغتسلت ردها إلى المحراب . وقال بعضهم : كانت لا تحيض ، وكانت مطهرة من الحيض ، وكان زكريا إذا دخل عليها في أيام الشتاء ، رأى عندها فاكهة الصيف ، وإذا دخل عليها في أيام الصيف ، وجد عندها فاكهة الشتاء ، وكانت الحكمة في ذلك أن لا يدخل في قلب زكريا شيء من الريبة ، إذا رأى الفاكهة في غير أوانها ، وعلم أنه لم يدخل عليها أحد من الآدميين ، فذلك قوله تعالى : كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً ويقال : المحراب في اللغة أشرف المجالس ، وهو المكان العالي ، وقد قيل : إن مساجدهم كانت تسمى المحاريب ف قالَ لها زكريا يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا يعني : من أين لك هذا ؟ فإنه لا يدخل عليك أحد غيري