أبو الليث السمرقندي
17
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
أحسن ولكن معناه عندنا - واللّه أعلم - أنه أراد بالرقة الرحمة ، يقال : رق فلان لفلان إذا رحمه . يقال : رق يرق إذا رحم . وقوله : أحدهما أرق من الآخر قال بعضهم : الرحمن أرق ، لأنه أبلغ في الرحمة لأنه يقع على المؤمنين والكافرين وقال بعضهم : الرحيم أرق ، لأنه في الدنيا وفي الآخرة . وقال بعضهم : كل واحد منهما أرق من الآخر من وجه ، فلهذا المعنى لم يبين ، وقال : أحدهما أرق من الآخر ، يعني كل واحد منهما أرق من الآخر . قوله تعالى : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ؛ قرأ نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر : ملك بغير الألف ، وقرأ عاصم والكسائي بالألف . فأما من قرأ بالألف قال : لأن المالك أبلغ في الوصف ، لأنه يقال : مالك الدار ، ومالك الدابة ، ولا يقال ملك : إلا لملك من ملوك . وأما الذي قرأ : ملك بغير ألف قال : « لأن الملك أبلغ في الوصف ، لأنك إذا قلت : فلان ملك هذه البلدة ، يكون ذلك كناية عن الولاية دون الملك ؛ وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة ، كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة . وروى مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتتحون الصلاة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وكلهم يقرءون مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف . قال الفقيه - رحمه اللّه - : سمعت أبي يحكي بإسناده عن أبي عبد اللّه ، محمد بن شجاع البلخي يقول : كنت أقرأ بقراءة الكسائي مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف ، فقال لي بعض أهل اللغة : الملك أبلغ في الوصف ، فأخذت بقراءة حمزة وكنت أقرأ ملك يوم الدين ، فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي : لم حذفت الألف من مالك ؟ أما بلغك الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « اقرءوا القرآن فخما مفخما » ، فلم أترك القراءة ب : « ملك » حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال لي : لم حذفت الألف من مالك ؟ أما بلغك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : من قرأ القرآن فله بكلّ حرف عشر حسنات ، فلم نقّصت من حسناتك عشرا في كل قراءة ؟ فلما أصبحت ، أتيت قطربا - وكان إماما في اللغة - فقلت له : ما الفرق بين ملك ومالك ؟ فقال : بينهما فرق كثير . فأما ملك فهو ملك من الملوك ، وأما مالك فهو مالك الملوك . فرجعت إلى قراءة الكسائي . ثم معنى قوله « مالك » يعني : قاضي وحاكم يَوْمِ الدِّينِ يعني : يوم الحساب كما قال تعالى : ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [ التوبة : 36 وغيرها ] ، يعني الحساب القيم . وقيل أيضا : معنى يوم الدين ، يعني يوم القضاء . كما قال تعالى : ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [ يوسف : 76 ] يعني : في قضائه وقيل أيضا : يوم الدين أي يوم الجزاء ، كما يقال : كما تدين تدان ، يعني كما تجازي تجازى به . فإن قيل : ما معنى تخصيص يوم الدين ؟ وهو مالك يوم الدين وغيره ، قيل له : لأن في الدنيا ، كانوا منازعين له في الملك ، مثل فرعون ونمرود وغيرهما . وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه ، وكلهم خضعوا له . كما قال تعالى : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [ غافر : 16 ]