أبو الليث السمرقندي

18

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

فأجاب جميع الخلق لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ الرعد : 16 ، وغيرها ] فكذلك هاهنا . قال : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يعني في ذلك اليوم لا يكون مالك ، ولا قاض ، ولا مجاز غيره . قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ هو تعليم ؛ علم المؤمنين كيف يقولون ، إذا قاموا بين يديه في الصلاة ، فأمرهم بأن يذكروا عبوديتهم وضعفهم ، حتى يوفقهم ويعينهم فقال إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي نوحد ونطيع . وقال بعضهم إِيَّاكَ نَعْبُدُ يعني إياك نطيع طاعة نخضع فيها لك . وقوله تعالى : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول : بك نستوثق على عبادتك وقضاء الحقوق . وفي هذا دليل على أن الكلام قد يكون بعضه على وجه المغايبة وبعضه على وجه المخاطبة ، لأنه افتتح السورة بلفظ المغايبة وهو قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ ثم ذكر بلفظ المخاطبة ، فقال : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ؛ وهذا كما قال في آية أخرى هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [ يونس : 22 ] فذكر بلفظ المخاطبة ، ثم قال : وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها [ يونس : 22 ] هذا ذكر على المغايبة ؛ ومثل هذا في القرآن كثير . قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ رويت القراءتان عن ابن كثير أنه قرأ « السراط » بالسين ، وروي عن حمزة أنه قرأ بالزاي ، وقرأ الباقون بالصاد ؛ وكل ذلك جائز ، لأن مخرج السين والصاد واحد ، وكذلك الزاي مخرجه منهما قريب ، والقراءة المعروفة بالصاد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : اهْدِنَا يعني أرشدنا ، الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو الإسلام فإن قيل : أليس هو الطريق المستقيم ؟ وهو الإسلام فما معنى السؤال ؟ قيل له : الصراط المستقيم ، هو الذي ينتهي بصاحبه إلى المقصود . فإنما يسأل العبد ربه أن يرشده إلى الثبات على الطريق الذي ينتهي به إلى المقصود ، ويعصمه من السبل المتفرقة . وقد روي عن عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - أنه قال : خط لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطا مستقيما ، وخط بجنبه خطوطا ، ثم قال : إن هذا الصراط المستقيم وهذه السبل ، وعلى رأس كل طريق شيطان يدعو إليه ويقول : هلم إلى الطريق . وفي هذا نزلت هذه الآية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ الأنعام : 153 ] فلهذا قال : اهدنا الصراط المستقيم واعصمنا من السبل المتفرقة . قال الكلبي : أمتنا على دين الإسلام . وروي عن علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - أنه قال : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يعني ثبتنا عليه . ومعنى قول علي : ثبتنا عليه . يعني احفظ قلوبنا على ذلك ، ولا تقلبها بمعصيتنا . وهذا موافق لقول اللّه تعالى : وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [ الفتح : 2 ] فكذلك هاهنا . قوله تعالى : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يعني طريق الذين مننت عليهم ، فحفظت قلوبهم على الإسلام حتى ماتوا عليه . وهم أنبياؤه وأصفياؤه وأولياؤه . فامنن علينا كما مننت عليهم .