أبو الليث السمرقندي

147

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

يغتسلن وأصله يتطهرون ، فأدغمت التاء في الطاء فصار يَطْهُرْنَ . فمن قرأ يَطْهُرْنَ أي يغتسلن ، ومن قرأ يَطْهُرْنَ أي حتى يطهرن من الحيض . قال الفقيه الزاهد ؛ نعمل بالقراءتين جميعا ؛ فإن كانت المرأة أيام حيضها أقل من عشرة أيام فلا يجوز أن يقربها ما لم تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة وإن كانت أيام حيضها عشرة ، فإذا انقطع عنها الدم وتمت العشرة ، جاز له أن يقربها بغير غسل . ثم قال تعالى : فَإِذا تَطَهَّرْنَ ، يعني أي اغتسلن من الحيض ، فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ، أي جامعوهن من حيث رخص لكم اللّه في موضع الجماع . ويقال : لما نزلت هذه الآية فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ، اعتزلوا النساء في أيام الحيض وأخرجوهن من البيوت ؛ فقدم أناس من الأعراب وقالوا : يا رسول اللّه البرد شديد وقد اعتزلنا النساء ، وليس كلنا يجد سعة لذلك فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّما أمركم أن تعتزلوا النّساء عن مجامعتهنّ ، ولم يأمركم أن تخرجوهنّ من البيوت كما تفعل الأعاجم » . ثم قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ، يعني التوابين من الشرك والذنوب . وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ، أي من الجنابة والأحداث . ويقال : ويحب المتطهرين من إتيانهن في المحيض ، في أدبارهن يتنزهون عن ذلك . ويقال : ويحب التّوابين من الذنوب والمتطهرين الذين لم يذنبوا . فإن قيل : كيف قدّم بالذكر الذي تاب من الذنوب على الذي لم يذنب ؟ قيل له : إنما قدمهم لكيلا يقنط التائب من الرحمة ، ولا يعجب المتطهر بنفسه ؛ كما ذكر في آية أخرى : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [ فاطر : 32 ] . ثم قال عز وجل : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ . يقول : مزرعة لكم للولد ، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ . والحرث في اللغة هو الزرع ، فسمى النساء حرثا على وجه الكناية ، أي هن للولد كالأرض للزراعة . قوله : أَنَّى شِئْتُمْ ، أي كيف شئتم ؛ إن شئتم مستقبلين ، وإن شئتم مستدبرين ، إذا كان في صمام واحد . وذلك أن اليهود كانوا يقولون : لا يجوز إتيان النساء إلا مستلقيا ، وكانوا يقولون : إذا أتاها من خلفها ، يكون الولد أحول ، فنزل قوله تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا ينظر اللّه عزّ وجلّ إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها » . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ملعون من أتى امرأة في دبرها » . ثم قال تعالى : وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من الولد الصالح . ويقال قدموا لأنفسكم من العمل الصالح . ويقال : سموا اللّه أي قولوا بسم اللّه الرحمن الرحيم عند ذلك . ثم قال : وَاتَّقُوا اللَّهَ ، أي أخشوا اللّه ولا تقربوهن في حال الحيض ولا في أدبارهن . وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ ، أي تصيرون إليه يوم القيامة ، فيجزيكم بأعمالكم . وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ الذين يحافظون على حدود اللّه ويصدقون بوعده .