أبو الليث السمرقندي

148

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 224 إلى 226 ] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 ) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 225 ) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 226 ) ثم قال عز وجل : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ، أي علة . وأصل العرضة في اللغة : هو الاعتراض ، فكأنه يعترض باليمين في كل وقت ، فيكون كناية عن العلة . وقيل : العرضة أن يحلف الرجل في كل شيء ، فمنعوا من ذلك . أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا ، يعني لكي تبروا وتتقوا ، لأنهم إذا أكثروا اليمين لم يبروا . وبهذا أمر أهل الإيمان . وقال الفراء : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً . الحلف باللّه متعرضا ، أي مانعا لكم دون البر . والمعترض بين الشيئين : المانع . وقال القتبي : لا تجعلوا اللّه بالحلف مانعا لكم أن تبروا وتتقوا ، ولكن إذا حلفتم على أن لا تصلوا رحما ، ولا تتصدقوا ، ولا تصلحوا ، أو على شبه ذلك من أبواب البر ، فكفّروا اليمين . وقال الكلبي : هذه الآية نزلت في عبد اللّه بن رواحة الأنصاري . حين حلف أن لا يدخل على ختنه بشير بن النعمان ولا يكلمه ، فجعل يقول : قد حلفت باللّه أن لا أفعل ، ولا يحل لي أن لا أبر في يميني . فنزل قوله تعالى : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ . يقول : علة لأيمانكم أَنْ تَبَرُّوا ، يعني تصلوا قرابتكم ، وتتقوا اليمين في المعصية ، وترجعوا إلى ما هو خير لكم منها ؛ وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ، أي بين إخوانكم . وروي عن عكرمة ، عن عبد اللّه بن عباس أنه كان يقول : لا تحلفوا أن لا تبرّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس . وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فمن حلف على شيء منه ، فعلى الذي حلف عليه أن يفعل ويكفّر عن يمينه . وقال الزجاج : معنى الآية بأنهم كانوا يقبلون في البر بأنهم قد حلفوا ، فأعلم اللّه تعالى أن الإثم إنما هو في الإقامة في ترك البر ، واليمين إذا كفّرت ، فالذنب فيها مغفور . ثم قال : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ أي بالإثم في الحلف إذا كفرتم ، وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ بعزمكم على أن لا تبروا ولا تتقوا . قال ابن عباس : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ، وهو أن يحلف الرجل باللّه في شيء يرى أنه فيه صادق ، ويرى أنه كذلك ، وليس كذلك ، فيكذب فيها . وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ يعني هو أن يحلف على شيء ويعلم أنه فيها كاذب . ويقال : لا يؤاخذكم اللّه باللغو في اليمين ، إذا حلفتم وكفرتم ، إذا كان الحنث خيرا ؛ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ، أي أثمتم بغير كفارة . وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن حنث وكفر بيمينه . حَلِيمٌ حيث رخص لكم في ذلك ولم