أبو الليث السمرقندي
134
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
إلى عرفات فيقف بها . وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنّ اللّه تعالى يباهى ملائكته بأهل عرفات ويقول : انظروا إلى عبادي جاءوا من كلّ فجّ عميق شعثا غبرا . اشهدوا ، أنّي قد غفرت لهم » . ثم قال تعالى : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ ، أي فرغتم من أمر حجكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ باللسان كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ في ذلك الموقف أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ؛ يقول : أو أكثر ذكرا ، وذلك أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم ، وقفوا بين المسجد الذي بمنى وبين الجبل ، ثم ذكر كل واحد منهم أباه بما كان يعلم منه من الخير ثم يتفرقون ، قال اللّه تعالى : فاذكروني بالخير كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ بالخير ، فإن ذلك الخير مني . وقال عطاء بن أبي رباح : قوله : كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ هو كقول الصبي : أبه أبه ، يعني أن الصبي إذا كان أول ما يتكلم فإن أكثر قوله : أب أب . ويقال فاذكروا اللّه كذكركم آباءكم لأبيكم آدم ، لأنه لا أب له ، بل أشد ذكرا ، لأني خلقته من غير أب ولا أم وخلقتكم من الآباء والأمهات . ثم قال تعالى : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا ، وهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا : اللهم ارزقنا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا وإماء وأموالا ، ولم يكونوا يسألون لأنفسهم التوبة ولا المغفرة ، فأنزل اللّه تعالى : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا . وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ، أي من نصيب . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ؛ قال ابن عباس : يعني الشهادة والمغفرة والغنيمة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ، أي الجنة . وقال القتبي : الحسنة النعمة كقوله : إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [ التوبة : 50 ] ، أي نعمة . وقال الحسن البصري : آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ، أي العلم والعبادة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ، أي الجنة قال الإمام : حسنة الدنيا ، ثوابك ، وقوت من الحلال يكفيك ، وزوجة صالحة ترضيك ، وعلم إلى الحق يهديك ، وعمل صالح ينجيك . وأما حسنة الآخرة فإرضاء الخصومات ، وعفو السيئات ، وقبول الطاعات والنجاة من الدركات ، والفوز بالدرجات وَقِنا عَذابَ النَّارِ ، أي ادفع عنا عذاب النار . أُولئِكَ ، يعني المؤمنين الذين يدعون بهذا الدعاء لَهُمْ نَصِيبٌ ، أي حظ مِمَّا كَسَبُوا من حجهم . ويقال : لهم ثواب مما عملوا . وقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا كان على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة ، فعجّله لي في الدنيا ؛ فأضني الرجل في مرضه حتى نحل جسمه ، فأخبر بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأتاه فأخبره بأنه كان يدعو بكذا وكذا ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يا ابن آدم إنّك لا تستطيع أن تقوم بعقوبة اللّه تعالى ولكن قل : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ . فدعا بها الرجل فبرأ . ثم قال : وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ؛ قال الكلبي : إذا حاسب فحسابه سريع . ويقال : واللّه سريع الحفظ . وقال الضحاك : يعني لا يخالطه العباد في الحساب يوم القيامة ولا يشغله ذلك .