أبو الليث السمرقندي
127
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
الضحاك : وذلك أن الكفار كانوا لا يدخلون البيت في أشهر الحج من بابه ، وكانوا يدخلونه من أعلاه ، فنزلت هذه الآية . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : وذلك أن الناس كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام ، إذا أحرم رجل منهم قبل الحج ، فإن كان من أهل المدن يعني من أهل البيوت ، ثقب في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج ، أو يضع سلما فيصعد منه وينحدر عليه ؛ وإن كان من أهل الوبر يعني من أهل الخيام ، يدخل من خلف الخيمة إلا من الحمس . وإنما سموا الحمس ، لأنهم يحمسون في دينهم ، أي شددوا على أنفسهم ، فحرموا أشياء أحلها اللّه لهم ، وحللوا أشياء كانت حراما على غيرهم وهو الدخول من الباب . فنزلت هذه الآية : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها ، يعني ليس التقوى بأن تأتوا البيوت من خلفها إذا أحرمتم . وَلكِنَّ الْبِرَّ ، يعني التقوى مَنِ اتَّقى ، أي أطاع اللّه واتبع أمره . ويقال : ولكن ذو البر من اتقى الشرك والمعاصي . ثم قال تعالى : وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ، يعني ادخلوها محلين ومحرمين . وَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تقتلوا الصيد في إحرامكم ؛ وهذا قول الكلبي . وقال مقاتل : واتقوا اللّه ولا تعصوه . لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، أي تنجون من العقوبة . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 190 إلى 194 ] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 190 ) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 191 ) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 192 ) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 193 ) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 194 ) قوله تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة ، فنزل بالحديبية بقرب مكة ، والحديبية : اسم بئر فسمي ذلك الموضع باسم تلك البئر ، فصده المشركون عن البيت ، فأقام بالحديبية شهرا ، فصالحه المشركون على أن يرجع من عامه كما جاء ، على أن تخلى له مكة في العام المقبل ثلاثة أيام ، وصالحوه على أن لا يكون بينهم قتال إلى عشر سنين ، فرجع إلى المدينة وخرج في العام الثاني للقضاء ، فخاف أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يقاتلهم المشركون وكرهوا القتال في