أبو الليث السمرقندي

128

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

الشهر الحرام ، فنزلت هذه الآية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أي في طاعة اللّه الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ، يعني في الحرم أو في الشهر الحرام ، وَلا تَعْتَدُوا بأن تنقضوا العهد وتبدؤوهم بالقتال في الشهر الحرام أو في الحرم . إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ، يعني من يبدأ بالظلم . وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ، أي حيث وجدتموهم في الحل والحرم ، والشهر الحرام . فأمرهم اللّه تعالى بقتل المشركين الذين ينقضون العهد وقوله : وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ من مكة وَالْفِتْنَةُ ، أي الشرك باللّه أَشَدُّ ، أي أعظم عند اللّه مِنَ الْقَتْلِ في الشهر الحرام . وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، أي في الحرم ، حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ ، أي يبدؤوكم بالقتال . فَإِنْ قاتَلُوكُمْ ، أي بدءوكم بالقتال فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ، أي هكذا جزاؤهم القتل في الحرم وغيره . قرأ حمزة والكسائي : وَلا تُقاتِلُوهُمْ بغير ألف حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ وقرأ الباقون في هذه المواضع الثلاثة : بالألف . فمن قرأ بالألف فهو من المقاتلة ؛ ومن قرأ بغير ألف فمعناه لا تقتلوهم حتى يقتلوا منكم . فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم ، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ؛ أي إذا أسلموا . وهذا كقوله : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] . وَقاتِلُوهُمْ ، يعني أهل مكة حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ، يعني الشرك باللّه ، وَيَكُونَ الدِّينُ كله لِلَّهِ ، يعني الإسلام . فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم وتركوا الشرك فَلا عُدْوانَ ، يقول لا سبيل ولا حجة عليهم في القتل ، إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ الذين بدءوكم بالقتال . وقال القتبي : أصل العدوان الظلم ، يعني لا جزاء للظلم إلا على الظالمين . فسار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه حتى دخلوا مكة ، وطافوا بالبيت ، ونحروا الهدي ، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام ثم انصرفوا فنزلت هذه الآية : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ ، يعني الشهر الحرام الذي دخلت فيه الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم عنه العام الأول وهو ذو القعدة وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ أي ما اقتصصت لكم في ذي القعدة كما صدوكم . ويقال : إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ، يعني قتالكم يكون لقتالهم قصاصا ، فكما تركوا الحرمة فأنتم تتركون أيضا ذلك . ويقال : إن سبب نزول هذه الآية أن المشركين سألوا المسلمين فقالوا : في أي شهر يحرم عليكم القتال ؟ وأرادوا أن يقفوا على ذلك ، حتى يقاتلوهم في الشهر الذي حرم القتال على المؤمنين ، فنزل قوله : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ ، أي في وقت قاتلكم المشركون حل لكم قتالهم . ثم قال تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ ، أي قاتلكم في الشهر الحرام فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ، أي قاتلوهم فيه وإنما سمي الثاني اعتداء ، لأنه مجازاة الاعتداء فسمي بمثل اسمه . وهذا كقوله عز وجل : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ