أبو الليث السمرقندي

126

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ، أي بالظلم وشهادة الزور . وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ ، يقول تلجؤوا بالخصومة إلى الحكام . وقال الزجاج : تعملون بما يوجبه ظاهر الحكم ، وتتركون ما علمتم أنه الحق . لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً ، يعني طائفة مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ ، أي باليمين الكاذبة وشهادة الزور . ويقال : بالإثم أي بالجور . وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه جور . ويقال : إنكم تعلمون أنكم تأخذون بالباطل . وهذه الآية نزلت في شأن امرئ القيس بن عباس الكندي وعيدان بن أشوع الحضرمي ، اختصما إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فادعى أحدهما على صاحبه شيئا ، فأراد الآخر أن يحلف بالكذب ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم الحن بحجّته من بعض ، فمن قضيت له بحقّ أخيه وأرى أنّه من حقّه ، وأنّه لا يرى أنّه من حقّه فإنّما أقضي له بقطعة من النّار » . فنزلت هذه الآية فيهما ، وصارت عامة لجميع الناس . وروى سعيد بن المسيب عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « شاهد الزّور إذا شهد لا يرفع قدميه من مكانهما ، حتّى يلعنه اللّه من فوق عرشه » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 189 ] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 189 ) قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ . الأهلة : جمع هلال واشتقاقه من قولهم : استهل الصبي إذا صاح ؛ وأهلّ بالحج : أي رفع صوته بالتلبية . وكذلك الهلال يسمى هلالا ، لأنه يهل الناس بذكره أي يرفعون الصوت عند رؤيته ؛ وإنما سمي الشهر شهرا لشهرته . وقال الضحاك في معنى الآية : إن المسلمين سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن خرص النخيل والتصرف في زيادة الشهر ونقصانه ، فنزلت هذه الآية : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ . قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ، أي التصرف في حال زيادته ونقصانه سواء . قال ابن عباس في رواية أبي صالح : نزلت هذه الآية في شأن معاذ بن جبل ، وثعلبة بن عنمة الأنصاري ، لأنهما قالا : يا رسول اللّه ما بال الهلال يبدو فيطلع دقيقا مثل الخيط ، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير ، ثم ينقص ؟ ! فنزلت هذه الآية : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ أي هي : علامات للناس في حل ديونهم وصومهم وفطرهم وعدة نسائهم ووقت الحج . ثم قال تعالى : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى ؛ قال