أبو الليث السمرقندي

125

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

لكم فيه وأمرتم به . وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ، نزلت في شأن صرمة بن قيس عمل في النخيل بالنهار ، فلما رجع منزله غلب عليه النوم قبل أن يأكل شيئا ، فأصبح صائما فأجهده الصوم ، فرآه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في آخر النهار فقال له : « ما لك يا ابن قيس أمسيت طليحا ؟ » فقال : ظللت أمس في النخيل نهاري كله أجر بالجرين ، حتى أمسيت فأتيت أهلي ، فأرادت أن تطعمني شيئا سخنا فأبطأت علي فنمت فأيقظوني وقد حرم علي الطعام والشراب ، فلم آكل فأصبحت صائما فأمسيت وقد أجهدني الصوم . فنزلت هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ، وهذا أمر أباحه اللّه وليس بأمر حتم . كقوله : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [ المائدة : 2 ] وكقوله : فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [ الجمعة : 10 ] . فلفظه لفظ الأمر والمراد به الإباحة . وقد أباح اللّه الأكل والشرب والجماع إلى وقت طلوع الفجر بقوله : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ، أي يستبين لكم بياض النهار من سواد الليل . ويقال : في الابتداء لما نزل قوله تعالى : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ، كان بعضهم يأخذ خيطين أحدهما أبيض والآخر أسود يجعل ينظر إليهما ويأكل ويشرب ، حتى يتبين له الأسود من الأبيض . وذكر عن عدي بن حاتم الطائي أنه قال : أخذت خيطين ، فجعلت أنظر إليهما ، فلم يتبين الأسود من الأبيض ما لم يسفر الفجر فأتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبرته ، فتبسم وقال : « إنّك لعريض القفا ؛ إنّما هو سواد اللّيل وبياض النّهار » ، فنزل قوله : مِنَ الْفَجْرِ فارتفع الاشتباه . ثم قال تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أي إلى أول الليل وهو غروب الشمس . وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ ، يقول : ولا تجامعوهن وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ، يقول : ولا تجامعوهن وأنتم معتكفون فيها ، وذلك أنه لما رخص لهم الجماع في ليلة الصيام ، فكان الرجل إذا كان معتكفا فإذا بدا له ، خرج بالليل إلى أهله فتغشاها ثم يغسل ويرجع إلى المسجد ، فنزلت هذه الآية : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ ، أي لا تجامعوهن ليلا ولا نهارا وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ؛ قال الكلبي : يعني المباشرة في الاعتكاف معصية اللّه فَلا تَقْرَبُوها في الاعتكاف . وقال الزجاج : الحد في اللغة هو المنع ، فكل من منع فهو حداد . ولهذا سمي حد الدار حدا ، لأنه يمنع الغير عن دخولها . كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ ، يعني النهي عن الجماع لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الجماع حتى يفرغوا من الاعتكاف . ويقال تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ، أي جميع ما ذكر اللّه تعالى من أول الآية إلى آخرها في أمر الصيام وغيره ، ونبين لهم الآيات لعلهم يتقون ، فينتهون عما نهاهم ويتبعون ما أمرهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 188 ] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 188 )