أبو الليث السمرقندي

112

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً ، وذلك أن قوما من العرب مثل بني عامر وبني مدلج وخزاعة وغيرهم ، حرموا على أنفسهم أشياء مما أحل اللّه من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة وغير ذلك ، فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك فقال : يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً من الحرث والأنعام ، وحلالا نصب على الحال . وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ، يعني طاعات الشيطان . وقال مقاتل : يعني تزيين الشيطان . ويقال : وساوس الشيطان . وقال القتبي : الخطوات جمع الخطوة . وقال الزجاج : خطواته أي طرقه ، ومعناه : لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ، أي ظاهر العداوة . إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ ، يعني بالإثم والقبيح من العمل . ويقال : السوء الذي يجب به الحبس والحساب ، والفحشاء : التي يستوجب بها العقوبة في النار . ويقال : السوء الذي يجب به التعزير في الدنيا ، والفحشاء التي يجب بها الحد . وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ، يعني أن الشيطان يأمركم بأن تكذبوا على اللّه ، لأنهم كانوا يقولون هذه الأشياء حرم اللّه علينا . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 170 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ ، أي اعملوا بما أنزل اللّه في القرآن من تحليل ما أحل اللّه وتحريم ما حرم اللّه . قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا ، يعني ما وجدنا عليه آباءنا . قال اللّه تعالى : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ، معناه أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالا فيتابعوهم بغير حجة ؟ فكأنه نهاهم عن التقليد وأمرهم بالتمسك بالحجة . وهذه الواو مفتوحة وهي واو : أو لو لأنها واو العطف أدخلت عليها ألف التوبيخ وهي ألف الاستفهام . قرأ أبو عمرو ومن تابعه من أهل البصرة : كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ [ البقرة : 167 ] بكسر الهاء والميم ، وكذلك في كل موضع تكون الهاء والميم بعدهما ألف ولام . مثل قوله تعالى : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [ البقرة : 61 ] وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ [ الحجر : 3 ] . وكان عاصم وابن عامر ونافع يقرءون بكسر الهاء وضم الميم . وكان حمزة والكسائي يقرآن : بضم الهاء والميم . وكان ابن كثير يقرأ : إنه لكم عدو مبين بضم الميم ، وكذلك إِنَّما يَأْمُرُكُمْ ؛ وكذلك كل ميم نحو هذا مثل : أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [ الفاتحة : 7 ] ، عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ [ البقرة : 7 ] . وكان نافع في رواية ورش عنه يقرأ : سكون الميم ، إلا أن يستقبله ألف أصلية فيضم الميم مثل قوله : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ * [ البقرة : 6 ويس : 10 ] إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ [ الكهف : 21 ] ، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً [ نوح : 14 ] . وكان حمزة والكسائي يقرءون بسكون الميم ، إلا أن يستقبله ألف ولام مثل قوله : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [ البقرة : 61 ] .