أبو الليث السمرقندي
113
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وأما قوله : خُطُواتِ الشَّيْطانِ * [ البقرة : 168 وغيرها ] كان نافع وأبو عمرو وحمزة وعصام في رواية أبي بكر يقرءون خُطُواتِ بجزم الطاء . وقرأ الكسائي وابن كثير وعاصم في رواية حفص : خُطُواتِ بضم الطاء ؛ وهما لغتان ومعناهما واحد . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 171 ] وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 ) ثم قال تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً . فهذا مثل ضربه اللّه تعالى لأهل الكفر ، إنهم مثل البهائم لا يعقلون شيئا سوى ما يسمعون من النداء . وفي الآية إضمار ومعناه : مثلك يا محمد مع الكفار ، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء . وهذا قول الزجاج . وقال القتبي : قال الفراء : ومثل واعظ الذين كفروا فحذف ذكر الواعظ . كما قال تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] . وقال القتبي أيضا : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، يعني ومثلنا في وعظهم ، فحذف اختصارا إذ كان في الكلام ما يدل عليه ، كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ ، يعني الراعي إذا صاح في الغنم لا يسمع إلا دعاء ونداء فحسب ، ولا تفهم قولا ولا تحسن جوابا ، فكذلك الكافر لا يعقل المواعظ . صُمٌّ عن الخبر فهم لا يسمعون بُكْمٌ ، أي خرس لا يتكلمون بالحق عُمْيٌ لا يبصرون الهدى . ويقال : كأنّهم صم ، لأنهم يتصاممون عن سماع الحق . فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ الهدى . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 172 إلى 173 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ، يعني من الحلال من الحرث والأنعام . وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ، يعني إن كنتم تريدون بترك أكله رضاء اللّه تعالى فكلوه ، فإن رضي اللّه تعالى أن تحلوا حلاله وتحرموا حرامه . ويقال : إن محرّم ما أحل اللّه مثل محل ما حرم اللّه . ويقال : في هذه الآية بيان فضل هذه الأمة ، لأنه تعالى خاطبهم بما خاطب به أنبياءه - عليهم الصلاة والسلام - لأنه قال لأنبيائه : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [ المؤمنون : 51 ] ، وقال لهذه الأمة كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وقال في أول الآية : كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [ البقرة : 168 ] . فلما أمر اللّه تعالى بأكل هذه الأشياء التي كانوا يحرمونها على أنفسهم . قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : إن لم يكن هذه الأشياء محرمة فالمحرمات ما هي ؟ فبيّن اللّه