الذهبي

110

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

وبلغ الملك سفرهم ، فسرّ بذلك . وفشا مع أهل الجبل بوصول ابن تومرت ، فجاءوه من النّواحي يتبرّكون به ، وكان كلّ من أتاه استدناه ، وعرض عليه ما في نفسه من الخروج ، فإن أجابه أضافه إلى خواصّه ، وإن خالفه أعرض عنه . وكان يستميل الشّباب والأغمار ، وكان ذوو الحلم والعقل من أهاليهم ينهونهم ويحذّرونهم من اتّباعه خوفا عليهم من الملك ، فكان لا يتمّ له مع ذلك حال . وطالت المدّة ، وكثرت أتباعه من أهل جبال درن ، وهو جبل لا يفارقه الثّلج ، وطريقه ضيّق وعسر . قال اليسع بن حزم : لا أعلم مدينة أحصن من تينمل [ ( 1 ) ] ، لأنّها بين جبلين ، ولا يسع الطّريق إليها إلّا الفارس ، وقد ينزل عن فرسه في أماكن صعبة ، وفيها مواضع لا يعبر فيها إلّا على خشب ، فإذا أزيلت خشبة لم يمرّ أحد . وهذه الطّريق مسافة يوم . فأخذ أصحابه يغيرون على النّواحي سبيا وقتلا ، وتقوّوا وكثروا . ثمّ إنّه غدر بأهل تينمل الّذين آووه ونصروه ، وأمر أصحابه ، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، قاتله اللَّه . فقال له الفقيه الإفريقيّ ، وهو أحد العشرة ، عن ما فعل بأهل تينمل [ ( 1 ) ] : هؤلاء قوم أكرمونا وأنزلونا دورهم قتلتهم ؟ فقال لأصحابه : هذا شكّ في عصمتي ، خذوه فاقتلوه . فقتلوه ، وعلّقوه على جذع . قال : وكلّ ما أذكره من حال المصامدة فمنه ما شاهدته ، ومنه ما أخذته بنقل التّواتر . وكان في وصيّته إلى قوم إذا ظفروا بمرابط أو أحد من تلمسان أنّ يحرّقوه . فلمّا كان في عام تسعة عشر خرج إليهم يوما ، فقال : تعلمون أن البشير ، الّذي هو الونشريسيّ ، إنّه أميّ لا يقرأ ولا يكتب وإنّه لا يثبت على دابّة ، وقد جعله اللَّه مبشّرا لكم مطّلعا على أسراركم ، وهو آية لكم ، فإنّه حفظ القرآن ، وتعلّم الركوب .

--> [ ( 1 ) ] في وفيات الأعيان 1 / 52 « تين مل » . وقال : بكسر التاء المثنّاة من فوقها وسكون الياء المثنّاة من تحتها وبعدها نون ثم ميم مفتوحة ولام مشدّدة ( 5 / 55 ) .