الذهبي

111

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

ثمّ استعرضه القرآن ، فقرأه لهم في أربعة أيّام ، وركب حصانا وساقه ، فتعجّبوا وعدّوا ذلك آية ، وصحّ لابن تومرت بذلك ما أطواه على نفوس سليمة لا يعرفون بواطن الأمور ، فتحقّق تصديقهم إيّاه . فقام خطيبا وقال : قال اللَّه تعالى : لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [ ( 1 ) ] فقال : مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ [ ( 2 ) ] . وهذا البشير مطّلع على الأنفس محدّث ، والنّبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم يقول : « إنّ في أمّتي محدّثين . وإنّ عمر منهم » [ ( 3 ) ] . وقد صحبنا أقوام أطلعه اللَّه على سرّهم ونفاقهم ، ولا بدّ من النّظر فيهم ، ويتمّم العدل فيهم . ثمّ نودي في جبال المصامدة : من كان مطيعا للإمام فليقبل . فكانوا يأتون قبائل قبائل ، فيعرضون عليه ، فيخرجون قوما على يمينه ، ويعدّهم من أهل الجنّة ، وقوما على يساره ، ويقول : هؤلاء شاكّون في الأمر . حتّى كان يؤتى بالرجل فيقول : ردّوا هذا على اليمين ، فإنّه تائب ، وقد كان قبل كافرا ، ثمّ أحدث البارحة توبة ، فيعترف بما أخبر به . واتّفقت له فيهم عجائب . وكان يطلق أهل اليسار وهم يعلمون أنّ مآلهم إلى القتل ، فلا يفرّ منهم أحد . وكان إذا اجتمع منهم كثير قتلهم قراباتهم ، يقتل الأب ابنه ، والأخ أخاه ، وابن العمّ ابن العمّ . فالّذي صحّ عندي أنّه قتل منهم سبعون ألفا على هذه الصّفة ، ويسمّونها التّمييز . ولمّا كمل التّمييز وجّه جموعه مع البشير نحو أغمات ، فالتقوا المرابطين فهزموهم ، وقتل خلق من المصامدة لكونهم ثبتوا ، وجرح عمر الهنتانيّ جراحات ، فحملوه على أعناقهم وهو كالميت ، لا ينبض له عرق . فقال لهم البشير : إنّه لا يموت حتّى يفتح البلاد ، ويغزو في الأندلس . وبعد مدّة من استماتته فتح عينيه ، فزادهم ذلك إيمانا بأمرهم . ولمّا أتوا عزّاهم ابن تومرت وقال : يوم بيوم ، وكذلك حرب الرّسل .

--> [ ( 1 ) ] سورة الأنفال ، الآية 37 . [ ( 2 ) ] سورة آل عمران ، الآية 110 . [ ( 3 ) ] أخرجه البخاري 7 / 42 ( 3689 ) في فضائل أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وسلّم ، باب مناقب عمر ، من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم : « لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدّثون ، فإن يك من أمّتي أحد فإنه عمر » . وأخرجه مسلم ( 2398 ) ، والترمذي ( 3694 ) من حديث عائشة .