الذهبي

409

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

فبحر عجّاج ، وماء ثجّاج ، يخرج من بحرة مرجان الحكم ، وينبت بثجّاجه ألفاف النّعم في رياض الهمم . لقد حفظ علوم المسلمين ، وأربى على أهل كلّ [ ( 1 ) ] دين ، وألّف « الملل والنّحل » . وكان في صباه يلبس الحرير ، ولا يرضى من المكانة إلّا بالسّرير . أنشد المعتمد ، فأجاد ، وقصد بلنسية ، وفيها المظفّر أحد الأطواد . حدّثني عنه عمر بن واجب قال : بينما نحن عند أبي ببلنسية ، وهو يدرّس المذهب ، إذا بأبي محمد بن حزم يسمعنا ، ويتعجّب ثمّ سأل الحاضرين عن سؤال من القدريّة [ ( 2 ) ] جووب عليه ، فاعترض فيه [ ( 3 ) ] ، فقال له بعض الحضّار : هذا العلم ليس من منتحلاتك . فقام وقعد ، ودخل منزله فعكف . وكف منه وابل فما كفّ . وما كان بعد أشهر قريبة حتّى قصدنا إلى ذلك الموضع ، فناظر أحسن مناظرة قال فيها : أنا أتبع الحقّ ، وأجتهد ، ولا أتقيّد بمذهب [ ( 4 ) ] .

--> [ ( 1 ) ] في السير 18 / 190 « على كل أهل » . [ ( 2 ) ] في السير 18 / 191 « ثم سأل الحاضرين مسألة من الفقه » . [ ( 3 ) ] في السير : « فاعترض في ذلك » . [ ( 4 ) ] سير أعلام النبلاء 18 / 190 ، 191 ، تذكرة الحفاظ 3 / 1148 ، لسان الميزان 4 / 199 . وقد عقّب المؤلّف الذهبي - رحمه اللَّه - على ذلك فقال : « قلت : نعم ، من بلغ رتبة الاجتهاد ، وشهد له بذلك عدّة من الأئمّة ، لم يسغ له أن يقلّد ، كما أنّ الفقيه المبتدئ والعاميّ الّذي يحفظ القرآن أو كثيرا منه لا يسوغ له الاجتهاد أبدا ، فكيف يجتهد ؟ وما الّذي يقول ؟ وعلام يبني ؟ وكيف يطير ولم يريّش ؟ والقسم الثالث : الفقيه المنتهي اليقظ الفهم المحدّث ، الّذي قد حفظ مختصرا في الفروع ، وكتابا في قواعد الأصول ، وقرأ النحو ، وشارك في الفضائل مع حفظه لكتاب اللَّه وتشاغله بتفسيره وقوة مناظرته ، فهذه رتبة من بلغ الاجتهاد المقيّد ، وتأهّل للنظر في دلائل الأئمّة ، فمتى وضح له الحقّ في مسألة ، وثبت فيها النص ، وعمل بها أحد الأئمّة الأعلام كأبي حنيفة مثلا ، أو كمالك ، أو الثوريّ ، أو الأوزاعيّ ، أو الشافعيّ ، وأبي عبيد ، وأحمد ، وإسحاق ، فليتّبع فيها الحقّ ولا يسلك الرخص ، وليتورّع ، ولا يسعه فيها بعد قيام الحجّة عليه تقليد ، فإن خاف ممن يشغّب عليه من الفقهاء فليتكتّم بها ولا يتراءى بفعلها ، فربما أعجبته نفسه ، وأحبّ الظهور ، فيعاقب . ويدخل عليه الداخل من نفسه ، فكم من رجل نطق بالحق ، وأمر بالمعروف ، فيسلّط اللَّه عليه من يؤذيه لسوء قصده ، وحبّه للرئاسة الدينية ، فهذا داء خفيّ سار في نفوس الفقهاء ، كما أنه داء سار في نفوس المنفقين من الأغنياء وأرباب الوقوف والتّرب المزخرفة ، وهو داء خفيّ يسري في نفوس الجند والأمراء والمجاهدين ، فتراهم يلتقون العدوّ ، ويصطدم الجمعان وفي نفوس المجاهدين مخبئات وكمائن من الاختيال وإظهار الشجاعة ليقال ، والعجب ، ولبس القراقل المذهّبة ، والخوذ المزخرفة ، والعدد المحلّاة على نفوس متكبّرة ، وفرسان متجبّرة ، وينضاف إلى ذلك -