الذهبي

410

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

وقال الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السّلام : ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل « المجلّى » [ ( 1 ) ] لابن حزم ، و « المغني » للشيخ الموفّق [ ( 2 ) ] . قلت : وقد امتحن ابن حزم وشرّد عن وطنه ، وجرت له أمور ، وتعصّب عليه المالكيّة لطول لسانه ووقوعه في الفقهاء الكبار ، وجرى بينه وبين أبي الوليد الباجيّ مناظرات يطول شرحها . ونفرت عنه قلوب كثير من النّاس لحطّه على أئمّتهم وتخطئته لهم بأفجّ عبارة ، وأقطّ محاورة . وعملوا عليه عند ملوك الأندلس وحذّروهم منه ومن غائلته ، فأقصته الدّولة وشرّدته عن بلاده ، حتّى انتهى إلى بادية لبلة [ ( 3 ) ] ، فتوفّي بها في شعبان ليومين بقيا منه [ ( 4 ) ] . وقيل : توفّي في قرية له [ ( 5 ) ] . قال أبو العبّاس بن العريف [ ( 6 ) ] : كان يقال : لسان ابن حزم وسيف الحجّاج شقيقان [ ( 7 ) ] . وقال أبو الخطّاب بن دحية : كان ابن حزم قد برص من أكل اللّبان ، وأصابته زمانة . وعاش رحمه اللَّه اثنتين وسبعين سنة إلّا شهرا [ ( 8 ) ] .

--> [ ( - ) ] إخلال بالصلاة ، وظلم للرعيّة ، وشرب للمسكر ، فأنّى ينصرون ؟ وكيف لا يخذلون ؟ اللَّهمّ فانصر دينك ، ووفّق عبادك ، فمن طلب العلم للعمل كسره العلم ، وبكى على نفسه ، ومن طلب العلم للمدارس والإفتاء والفخر والرياء ، تحامق ، واختال ، وازدرى بالناس ، وأهلكه العجب ، ومقتته الأنفس قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها أي دسّسها بالفجور والمعصية » ( سير أعلام النبلاء 18 / 191 ، 192 ) . [ ( 1 ) ] في سير أعلام النبلاء 18 / 193 « المحلى » ، والمثبت يتفق مع تذكرة الحفاظ 3 / 1150 . [ ( 2 ) ] الشيخ الموفق هو الإمام أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الدمشقيّ المتوفى سنة 620 ه . وكتاب « المغني » شرح به « مختصر » الخرقي . [ ( 3 ) ] لبلة : بفتح اللامين وبينهما باء موحدة ساكنة . قصبة كورة بالأندلس كبيرة يتصل عملها بعمل أكشونية إلى الشرق منها ، والغرب من قرطبة ، ( معجم لبلدان 5 / 10 ) . [ ( 4 ) ] وفيات الأعيان 3 / 328 ، 328 . [ ( 5 ) ] هي : « منت ليشم » كما في وفيات الأعيان 3 / 328 . [ ( 6 ) ] هو : أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الصنهاجي الأندلسي المتوفى سنة 536 ه . انظر عنه في : وفيات الأعيان 1 / 168 ، 169 رقم 68 . [ ( 7 ) ] وفيات الأعيان 1 / 169 و 3 / 328 . [ ( 8 ) ] تذكرة الحفاظ 3 / 1150 ، سير أعلام النبلاء 18 / 198 .