الذهبي
380
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
وكانوا في أوائل الأمر يخطبون له ويدارونه حتّى تمكّنوا . ثمّ راسلهم الخليفة فكان رسوله إليهم قاضي القضاة أبو الحسن الماورديّ . ثمّ إنّ طغرلبك طوى الممالك وملك العراق في سنة سبع وأربعين وأربعمائة ، وعدل في النّاس . وكان حليما كريما محافظا على الصّلوات في جماعة . يصوم الخميس والاثنين ويعمر المساجد ويكثر الصّدقات . وقد سيّر الشّريف ناصر بن إسماعيل رسولا إلى ملكة الروم ، فاستأذنها الشّريف في الصّلاة بجامع القسطنطينيّة جماعة ، فأذنت له . فصلّى وخطب للإمام القائم . وكان رسول المستنصر خليفة مصر حاضرا ، ف [ أنكر ] [ ( 1 ) ] ذلك . وكان ذلك من أعظم الأسباب في فساد الحال بين المصريّين والرّوم . ولمّا تمهّدت البلاد لطغرلبك سيّر إلى الخليفة القائم يخطب ابنته فشقّ ذلك على الخليفة واستعفى ، ثمّ لم يجد بدّا ، فزوّجه بها . ثمّ قدم بغداد في سنة خمس وخمسين ، وأرسل يطلبها ، وحمل مائة ألف دينار برسم نقل جهازها ، فعمل العرس في صفر بدار المملكة وأجلست على سرير ملبّس بالذّهب . ودخل السّلطان إليها فقبّل الأرض بين يديها ، ولم يكشف البرقع عن وجهها إذ ذاك ، وقدّم لها تحفا ، وخدم وانصرف فرحا مسرورا [ ( 2 ) ] . وبعث إليها بعقدين فاخرين ، وخسروانيّ ذهب ، وقطعة ياقوت كبيرة . ثمّ دخل من الغد ، فقبّل الأرض ، وجلس مقابلها على سرير ساعة ، وخرج وبعث لها جواهر وفرجيّة نسيج مكلّلة باللّؤلؤ ومخنقة منسوجة باللّؤلؤ . وفعل ذلك مرّة أخرى أو أكثر ، والخليفة صابر متألّم ، ولكنّه لم يمتّع بعد ذلك ، فإنّه توفّي بعد ذلك بأشهر في رمضان بالرّيّ . وعاش سبعين سنة . وحمل تابوته فدفن بمرو عند قبر أخيه داود . وقيل : بل دفن بالرّيّ . وانتقل ملكه إلى ابن أخيه ألب أرسلان .
--> [ ( 1 ) ] في الأصل بياض ، والمستدرك من سير أعلام النبلاء 18 / 109 . [ ( 2 ) ] وفيات الأعيان 5 / 66 ، 67 .