الذهبي
12
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
فأحضر إلى السّلطان فجدع أنفه ، فلمّا تقارب الجمعان أرسل السّلطان يطلب المهادنة ، فقال أرمانوس : لا هدنة إلا بالرّيّ . فانزعج السّلطان فقال له إمامه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاريّ الحنفيّ : إنّك تقاتل عن دين وعد اللَّه بنصره وإظهاره على سائر الأديان . وأرجو أن يكون اللَّه قد كتب باسمك هذا الفتح . فالقهم يوم الجمعة في السّاعة الّتي يكون الخطباء على المنابر ، فإنّهم يدعون للمجاهدين [ ( 1 ) ] . فلمّا كان تلك السّاعة صلّى بهم ، وبكى السّلطان ، فبكى [ ( 2 ) ] النّاس لبكائه ، ودعا فأمّنوا [ ( 3 ) ] ، فقال لهم : من أراد الانصراف فلينصرف ، فما هاهنا سلطان بأمر ولا ينهى [ ( 4 ) ] . وألقى القوس والنّشاب ، وأخذ السّيف [ ( 5 ) ] ، وعقد ذنب فرسه بيده ، وفعل عسكره مثله ، ولبس البياض وتحنّط وقال : إن قتلت فهذا كفني . وزحف إلى الرّوم ، وزحفوا إليه ، فلمّا قاربهم ترجّل وعفّر وجهه بالتّراب ، وبكى ، وأكثر الدّعاء ، ثمّ ركب وحمل الجيش معه ، فحصل المسلمون في وسطهم ، فقتلوا في الروم كيف شاءوا ، وأنزل اللَّه نصره ، وانهزمت الرّوم ، وقتل منهم ما لا يحصى ، حتّى امتلأت الأرض بالقتلى ، وأسر ملك الروم ، أسره غلام لكوهرائين فأراد قتله ولم يعرفه ، فقال له خدم [ ( 6 ) ] مع الملك : لا تقتله فإنّه الملك . وكان هذا الغلام قد عرضه كوهرائين على نظام الملك ، فردّه استحقارا له . فأثنى عليه أستاذه ، فقال نظام الملك : عسى يأتينا بملك الروم أسيرا . فكان كذلك . ولمّا أحضر إلى بين يدي السّلطان ألب أرسلان ضربه ثلاث مقارع بيده
--> [ ( 1 ) ] في ( الكامل 10 / 66 ) زيادة : « بالنصر ، والدعاء مقرون بالإجابة » . [ ( 2 ) ] في الأصل : « فبكا » [ ( 3 ) ] في الكامل 10 / 66 : « ودعا ودعوا معه » . [ ( 4 ) ] في الكامل : « يأمر وينهى » . [ ( 5 ) ] زاد في الكامل : « والدبوس » . [ ( 6 ) ] في الكامل 10 / 66 : « خادم » .