الذهبي

264

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

وسمعته يقول : كنت أستغلّ كلّ شهر خمسمائة درهم ، فأنفقت كلّ ذلك في طلب العلم . فقلت : كم بين مثل من ينفق على هذا الوجه ، وبين من كان خلوا من المال ، فجمع وكسب بالعلم [ ( 1 ) ] ؟ وكنّا بفربر ، وكان أبو عبد اللَّه يبني رباطا ممّا يلي بخارى . فاجتمع بشر كثير يعينونه على ذلك . وكان ينقل اللّبن ، فكنت أقول : إنّك تكفى . فيقول : هذا الّذي ينفعنا . ثم أخذنا ننقل الزّنبرات معه ، وكان ذبح لهم بقرة ، فلمّا أدركت القدور دعا النّاس إلى الطّعام ، وكان بها مائة نفس أو أكثر ، ولم يكن علم أنّه اجتمع ما اجتمع . وكنّا أخرجنا معه من فربر خبزا بثلاثة دراهم أو أقلّ ، فألقينا بين أيديهم ، فأكل جميع من حضر ، وفضلت أرغفة صالحة . وكان الخبز إذ ذاك خمسة أمناء [ ( 2 ) ] بدرهم [ ( 3 ) ] . وقال لي مرة : أحتاج في السّنة إلى أربعة آلاف أو خمسة آلاف درهم . وكان يتصدّق بالكثير . يناول الفقير من أصحاب الحديث ما بين العشرين إلى الثّلاثين ، وأقلّ وأكثر من غير أن يشعر بذلك أحد . وكان لا يفارقه كيسه . ورأيته بأول رجلا صرّة فيها ثلاثمائة درهم . وكنت اشتريت منزلا بتسعمائة وعشرين درهما . فقال لي : ينبغي أن تصير إلى نوح الصّيرفيّ وتأخذ منه ألف درهم وتحضرها . ففعلت ، فقال : خذها فأصرفها في ثمن البيت . فقلت : قد قبلت منك . وشكرته . وأقبلنا على الكتابة . وكنّا في تصنيف « الجامع » . فلمّا كان بعد ساعة ، قلت : عرضت لي حاجة لا أجترئ رفعها إليك . فظنّ أنّي طمعت في الزّيادة ، فقال : لا تحتشمني وأخبرني بما تحتاج فإنّي أخاف أن أكون مأخوذا بسببك . قلت له : كيف ؟

--> [ ( 1 ) ] سير أعلام النبلاء 12 / 449 . [ ( 2 ) ] أمناء : جمع منّ ، وهو وزن أو مكيال . [ ( 3 ) ] سير أعلام النبلاء 12 / 450 .