الذهبي
303
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
قال الفرّاء : ناظرت الكسائيّ يوما وزدت ، فكأنّي كنت طائرا يشرب من بحر [ ( 1 ) ] . وعن الفرّاء قال : إنّما تعلّم الكسائيّ النّحو على كبر ، لأنّه جاء إلى قوم وقد أعيا ، فقال : قد عيّيت . فقالوا له : تجالسنا وأنت تلحن ؟ قال : وكيف ؟ قالوا : إن أردت من التعب فقل أعييت ، وإن انقطعت الحيلة في الأمر فقل عييت . فأنف من هذا وقام ، وسأل عمّن يعلّم النّحو ، فأرشد إلى معاذ الهرّاء ، فلزمه حتى أنفد ما عنده ، ثم خرج إلى الخليل [ ( 2 ) ] . قلت : وقد كانت للكسائيّ عند الرشيد منزلة رفيعة ، وسار معه إلى الرّيّ ، فمرض ومات بقرية رنبويه ، فلما اعتلّ تمثّل وقال : قدر أحلّك ذا النخيل وقد رأى * وأبي ، ومالك [ ( 3 ) ] ذو النخيل بدار ألا كداركم [ ( 4 ) ] بذي بقر الحمى * هيهات ذو بقر من المزوار ومات ومعه محمد بن الحسن الفقيه ، فقال الرشيد لمّا رجع إلى العراق : دفنت الفقه والنّحو برنبويه [ ( 5 ) ] . وقال نصير بن يوسف : دخلت على الكسائيّ في مرض موته فأنشأ يقول : قدر أحلّك . وذكر البيتين ، فقلت : كلّا ، ويمتع اللَّه الجميع بك .
--> [ ( - ) ] في فتحه أقلّ ( إن ترن أنا أقلّ منك مالا ) . فقال الكسائي : أكثر ، فمحوه من كتبهم ثم قال لي : يا خلف يكون أحد من بعدي يسلم من اللحن ؟ قال : قلت : لا ، أما إذا لم تسلم أنت فليس يسلم أحد بعدك ، قرأت القرآن صغيرا ، وأقرأت الناس كبيرا وطلبت الآثار فيه والنحو . [ ( 1 ) ] تاريخ بغداد 11 / 419 . [ ( 2 ) ] تاريخ بغداد 11 / 404 ، معجم الأدباء 13 / 168 ، 169 . [ ( 3 ) ] في الأصل « وقد ترى وأبي وأنا لك » ، والمثبت عن تاريخ بغداد . [ ( 4 ) ] في تاريخ بغداد « كدركما » . [ ( 5 ) ] تاريخ بغداد 11 / 414 ، وانظر وفيات الأعيان 3 / 296 ، معجم الأدباء 13 / 200 .