الذهبي
245
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
فجلس إلى شهريران ، وكان على مطر قباء برد يمنّي أرضه حمراء ووشيه أسود . فتساءلا ، ثم إنّ شهريران قال : أيّها الأمير أتدري من أين جاء هذا الرجل ؟ هذا رجل بعثته نحو السّدّ منذ سنتين [ ( 1 ) ] ينظر ما حاله ومن دونه ، وزوّدته مالا عظيما ، وكتبت له إلى من يليني وأهديت له ، وسألته أن يكتب له إلى من وراءه ، وزوّدته لكلّ ملك هديّة ، ففعل ذلك بكلّ ملك بينه وبينه ، حتّى انتهى إلى الملك الّذي السّدّ في ظهره [ ( 2 ) ] ، فكتب له إلى عامله على ذلك البلد فأتاه ، فبعث معه بازياره ومعه عقابه وأعطاه حريرة ، قال : فلمّا انتهينا إذا جبلان ، بينهما سدّ مسدود حتى ارتفع على الجبلين ، وإنّ دون السّدّ خندقا أشدّ سوادا من اللّيل لبعده ، فنظرت إلى ذلك كلّه وتفرّست فيه ، ثم ذهبت لأنصرف ، فقال لي البازيار [ ( 3 ) ] على رسلك أكافئك [ ( 4 ) ] إنّه لا يلي ملك بعد ملك إلّا تقرّب إلى اللَّه بأفضل ما عنده من الدنيا فيرمي به هذا اللّهب ، قال : فشرّح بضعة لحم معه وألقاها في ذلك الهواء ، وانقضّت عليها العقاب ، وقال : إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء ، فخرج عليه العقاب باللّحم في مخاليبه ، فإذا قد لصق فيه ياقوتة فأعطانيها وها هي ذه ، فتناولها شهريران فرآها حمراء ، فتناولها عبد الرحمن ثم ردّها ، فقال شهريران . إنّ هذه لخير من هذا - يعني الباب - وأيم اللَّه لأنتم أحبّ إليّ ملكة من آل كسرى ، ولو كنت في سلطانهم ثمّ بلغهم خبرها لانتزعوها منّي ، وأيم اللَّه لا يقوم لكم شيء ما وفيتم أو وفى ملككم الأكبر .
--> [ ( 1 ) ] في تاريخ الطبري « سنين » . [ ( 2 ) ] هكذا في الأصل ، وفي تاريخ الطبري « حتى انتهى إليه ، فانتهى إلى الملك الّذي السّدّ في ظهر أرضه » . [ ( 3 ) ] البازيار : حافظ الباز وصاحبه . تاج ( العروس ) . والباز أشرف الطيور . وبه سمي ( علم البزدرة ) كما في تذكرة داود الأنطاكي . [ ( 4 ) ] في تاريخ الطبري ( أكافك ) وكلاهما صحيح . ومثله في النسخة ( ح ) .