الذهبي

46

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

قال يحيى بن أبي زائدة : قال محمد بن إسحاق [ ( 1 ) ] ، عن جهم بن أبي جهم ، عن عبد اللَّه بن جعفر ، عن حليمة بنت الحارث [ ( 2 ) ] أمّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم السّعديّة قالت : « خرجت في نسوة نلتمس الرّضعاء بمكة على أتان لي قمراء [ ( 3 ) ] قد أذمّت [ ( 4 ) ] بالرّكب ، وخرجنا في سنة شهباء [ ( 5 ) ] لم تبق شيئا ، ومعنا شارف لنا [ ( 6 ) ] ، واللَّه إن تبضّ [ ( 7 ) ] علينا بقطرة ، ومعي صبيّ لي لا ننام ليلنا مع بكائه ، فلما قدمنا مكة لم يبق منّا امرأة إلّا عرض عليها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم فتأباه ، وإنّما كنّا نرجو كرامة رضاعة من أبيه ، وكان يتيما ، فلم يبق من صواحبي امرأة إلّا أخذت صبيّا ، غيري . فقلت لزوجي : لأرجعنّ إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه ، فأتيته فأخذته ، فقال زوجي : عسى اللَّه أن يجعل فيه خيرا . قالت : فو اللَّه ما هو إلّا أن جعلته في حجري فأقبل عليه ثديي بما شاء من اللّبن ، فشرب وشرب أخوه حتى رويا ، وقام زوجي إلي شارفنا من الليل ، فإذا بها حافل ، فحلب وشربنا حتى روينا ، فبتنا شباعا رواء ، وقد نام صبياننا ، قال أبوه : واللَّه يا حليمة ما أراك إلّا قد أصبت نسمة مباركة ، ثم خرجنا ، فو اللَّه لخرجت أتاني أمام الرّكب قد قطعتهنّ حتى ما يتعلّق بها أحد ، فقدمنا منازلنا من حاضر بني سعد بن بكر ، فقدمنا على أجدب أرض اللَّه ، فو الّذي نفسي بيده إن كانوا ليسرّحون أغنامهم ويسرّح راعيّ غنمي ، فتروح غنمي بطانا لبّنا حلّا ، وتروح أغنامهم جياعا ، فيقولون لرعاتهم : ويلكم ألا تسرحون حيث يسرح راعي حليمة ؟ فيسرحون في الشّعب الّذي يسرح فيه

--> [ ( 1 ) ] سيرة ابن هشام 1 / 184 . [ ( 2 ) ] هي حليمة بنت عبد اللَّه بن الحارث . [ ( 3 ) ] شديدة البياض . [ ( 4 ) ] أذمّت بالركب : أي حبستهم ، وكأنه من الماء الدائم وهو الواقف ، أي جاءت بما تذمّ عليه . [ ( 5 ) ] سنة شهباء : أي سنة قحط وجدب . [ ( 6 ) ] الشارف : الناقة المسنّة . [ ( 7 ) ] تبضّ : ترشح .