الذهبي

283

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

وقال الآخر : أعجز على اللَّه أن يرسل غيرك . وقال الآخر : واللَّه لا أكلّمك بعد مجلسك هذا ، واللَّه لئن كنت رسول اللَّه لأنت أعظم شرفا وحقّا من أن أكلّمك ، ولئن كنت تكذب على اللَّه ، لأنت أشرّ من أن أكلّمك وتهزّأوا [ ( 1 ) ] به ، وأفشوا في قومهم الّذي راجعوه به ، وقعدوا له صفّين على طريقه ، فلمّا مرّ جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلّا رضخوهما بالحجارة وأدموا رجليه ، فخلص منهم وهما تسيلان الدماء ، فعمد إلى حائط من حوائطهم ، واستظلّ في ظلّ حبلة [ ( 2 ) ] منه ، وهو مكروب موجع ، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة ، وشيبة أخوه ، فلمّا رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما ، فلمّا رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عدّاسا ، وهو نصرانيّ من أهل نينوى ، معه عنب ، فلمّا جاء عدّاس ، قال له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم : « من أيّ أرض أنت يا عدّاس » ؟ قال : من أهل نينوى ، فقال له النّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم : « من مدينة الرجل الصّالح يونس بن متّى » [ ( 3 ) ] فقال : وما يدريك من يونس بن متّى ؟ قال : أنا رسول اللَّه ، واللَّه أخبرني خبر يونس » ، فلمّا أخبره خرّ عدّاس ساجدا لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وجعل يقبّل قدميه وهما تسيلان الدّماء ، فلمّا أبصر عتبة ، وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا ، فلمّا أتاهما قالا : ما شأنك سجدت لمحمد وقبّلت قدميه ؟ قال : هذا رجل صالح ، أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه اللَّه إلينا يدعى يونس بن متّى ، فضحكا به ، وقالا : لا يفتنك عن نصرانيّتك ، فإنّه رجل خدّاع ، فرجع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى مكة [ ( 4 ) ] .

--> [ ( 1 ) ] هكذا في الأصل ، ودلائل النبوّة للبيهقي ، وفي الدرر لابن عبد البر ، وغيره « هزءوا به » ، وفي مغازي عروة « وهم في ذلك يستهزءون ويسخرون » . [ ( 2 ) ] أي كرمة . [ ( 3 ) ] كانت مدته في أول القرن الثامن قبل الميلاد . ( تفسير التحرير والتنوير ) . [ ( 4 ) ] رواه عروة في المغازي 117 - 119 ، والبيهقي في دلائل النبوّة 1 / 389 - 392 ، وابن عبد البرّ -