الذهبي

165

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

عن عبد اللَّه بن عمرو قال : قلت له : ما أكثر ما رأيت ، أصابت قريش من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فيما كانوا يظهرون من عداوته ؟ قال : حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر ، فذكروا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قطّ ، قد سفّه أحلامنا ، وسبّ آلهتنا ، وفعل وفعل ، فطلع عليهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فاستلم الركن وطاف بالبيت ، فلما مرّ غمزوه ببعض القول ، فعرفت ذلك في وجهه ، فلمّا مرّ الثانية غمزوه ، فلمّا مرّ الثالثة غمزوه ، فوقف فقال : أتسمعون يا معشر قريش ، أما والّذي نفسي بيده جئتكم بالذّبح ، قال : فأخذت القوم كلمته حتى ما فيهم رجل إلّا كأنّ على رأسه طائرا واقع ، حتى إنّ أشدّهم فيه وطأة ليرفؤه [ ( 1 ) ] بأحسن ما يجد من القول ، حتى إنّه يقول : انصرف يا أبا القاسم ، فو اللَّه ما كنت جهولا ، فانصرف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حتّى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر ، وأنا معهم ، فقال بعضهم لبعض : ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه ، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه ، فبينا هم في ذلك ، إذ طلع النّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، فأحاطوا به يقولون : أنت الّذي تقول كذا وكذا ؟ فيقول : « نعم » ، فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه ، فقام أبو بكر دونهم يبكي ويقول : أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ثم انصرفوا عنه ، فحدّثني بعض آل أبي بكر ، أنّ أمّ كلثوم بنت أبي بكر قالت : لقد رجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه ممّا جذبوه بلحيته ، وكان كثير الشّعر [ ( 2 ) ] . إسلام أبي ذرّ ( رضي الله عنه ) قال سليمان بن المغيرة : نا حميد بن هلال ، عن عبد اللَّه بن الصّامت قال : قال أبو ذرّ : خرجنا من قومنا غفار ، وكانوا يحلّون الشهر الحرام [ ( 3 ) ] ،

--> [ ( 1 ) ] أي يسكّنه ويرفق به ويدعو له . ( النهاية ) . [ ( 2 ) ] سيرة ابن هشام 2 / 33 ، 34 ، دلائل النبوّة للبيهقي 2 / 52 . [ ( 3 ) ] يفعلون فيه المنكرات .