الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
49
هداية المسترشدين
قوله : * ( وربما منعه مانع لكنه شديد الضعف . . . الخ ) * . الظاهر أنه مبني على القول بكون حسن الأفعال وقبحها ذاتيا لها غير منفك عنها - حسب ما عزى إلى قدماء المعتزلة - لا بحسب الوجوه والاعتبارات ، فإذا ثبت الحسن أو القبح لطبيعة في ضمن بعض الأفراد كان منوطا بنفس الذات - أعني الطبيعة النوعية - فلا يمكن انفكاكه عنها بالعوارض المصنفة أو المشخصة ، لأن ما بالذات لا يزول بالغير ، ومنه يعرف اختصاص المنع بالوحدة النوعية ولا يجري في غيرها ، لكن المبنى المذكور ضعيف جدا ، فإن التحسين والتقبيح العقليين يدور غالبا مدار الوجوه والاعتبارات ، كما سيجئ الكلام فيه مفصلا إن شاء الله تعالى ، ومع الغض عن ذلك وتسليم كونهما ذاتيين للأفعال فليس الأمر والنهي دائرا مدار ذلك قطعا ، لوجوب الأمر بأقل القبيحين حينئذ عند دوران الأمر بينهما ، فأي مانع إذا من أن يكون بعض أصناف الطبيعة المنهي عنها مأمورا به ؟ فيرتفع النهي بالنسبة إليه لدوران الأمر بين ارتكاب القبح الحاصل فيه وما هو أقبح منه وإن لم نقل حينئذ بانقلاب القبيح حسنا فتأمل . قوله : * ( ومنعه بعض المجيزين لذلك نظرا إلى أنه . . . الخ ) * يمكن أن يقرر كونه تكليفا محالا لا تكليفا بالمحال من وجوه : أحدها : أن الوجوب مشتمل على جواز الفعل وعدم جواز الترك والحرمة مشتملة على جواز الترك وعدم جواز الفعل ، وجواز الفعل يناقض عدم جوازه كما أن جواز الترك يناقض عدم جوازه ، فجنس الوجوب يناقض فصل الحرمة كما أن جنس الحرمة يناقض فصل الوجوب ، فيكونان في اجتماع الحكمين في محل واحد من جهة واحدة اجتماع النقيضين من وجهين . ولو لوحظ اجتماع المجموع مع المجموع أعني نفس الحكمين كان من اجتماع الضدين . ويدفعه : أن مفاد الوجوب ليس إلا مطلوبية الفعل على سبيل الحتم كما أن مفاد الحرمة هو مطلوبية الترك على الوجه المذكور ، ومن البين أنه لا منافاة بين الطلبين من حيث أنفسهما ، واستلزام مطلوبية الفعل لجوازه بحسب الواقع