أبو علي سينا
30
أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )
فالعقل العملي هو الّذي يتسلط على البدن ويسوسه ، فتنشأ عن ذلك الأخلاق . والأخلاق عند ابن سينا مثل أرسطو من قبل ، ملكة التوسط بين الإفراط والتفريط ، أي أنّ الأخلاق ، من فضائل ورذائل ، ليست نظرية تدرك بالعلم فقط ، بل عملية لا بد فيها من الممارسة والفعل ، على عكس الفضيلة السقراطية التي تذهب إلى أن العلم هو الفضيلة . ومن شروط الأخلاق الفاضلة أن تذعن القوى الحيوانية للعقل العملي ، وأن يذعن العقل العملي للقوة النظرية . أما العقل النظري فهو عدة درجات ، أولها العقل الهيولاني وهو قوة مطلقة ، أو استعداد محض ، وهذا العقل موجود لكل شخص طفلا كان أم بالغا ، مثل قوة الطفل على الكتابة . ثم العقل بالملكة ، وهو العقل الّذي تكون قد حصلت فيه المعقولات الأولى كالبديهيات ، مثل أن الكل أعظم من الجزء . ثم العقل المستفاد ، وهو العقل الّذي تكون قد حصلت فيه المعقولات الثانية ، مثل الكاتب المستكمل الصناعة إذا كتب . ولا تعنينا كثيرا هذه الأسماء ، فهو يتابع فيها إلى حد كبير الإسكندر الإفروديسى الّذي أخذ عنه الكندي في مقالة العقل ، ثم الفارابي « 1 » من بعد . وإنما يهمنا أن نعرف كيف يبين ابن سينا تكوّن المعقولات ، أو كيف يدرك العقل الكليات . والإدراك مراتب ، وأدنى مرتبة منها هو الإدراك الحسى ، وهو انتقال صورة الشيء الخارجي إلى الذهن . ولكن الشيء الخارجي مركب من مادة ، فإذا انتقلت صورته المدركة عن طريق الحواس إلى الذهن فهي غير مادية ، ولو أنها لم تتجرد تماما عن لواحق المادة .
--> ( 1 ) انظر مقدمة كتاب النفس لابن رشد وأربع رسائل : نشر أحمد فؤاد الأهوانى ، مكتبة النهضة 1950 .