أبو علي سينا
31
أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )
أما الخيال أو التخيل فإنه يبرئ الصورة المنزوعة عن المادة تبرئة أشد ، لأنها موجودة فقط في صفحة الخيال دون وجود مادتها ماثلة أمام الحس . والوهم أرفع مرتبة ، لأنه ينال « المعاني » التي ليست مادية ، وإن عرض لها أن تكون في مادة مثل اللون والشكل ، والخير والشر ؛ أو كما تدرك الشاة « العداوة » الموجودة في الذئب ؛ ومع هذا كله فالصور أو المعاني « جزئية » أي تدرك بحسب مادة مادة . أما صور المعقولات ، فإنها ليست مادية البتة ، وهي كلية لا جزئية . وهنا تعرض مشكلات كثيرة : أولها مصدر هذه الصور الكلية ، وثانيتها الصلة بين الصور الكلية والجزئيات المدركة أولا بالحواس ثم بالتخيل والوهم ، وثالثتها مكان هذه المعقولات . أما الصور الكلية فإنها لا تستمد من الجزئيات ، ولو أن هذا الطريق ممكن ، ولكن وجودها الحقيقي في عالم آخر ، هو عالم الجواهر العالية ، وفي ذلك يقول ابن سينا في الفصل الخاص بالنبوة : إن النفس تنال الأمور الكلية بالعقل النظري من الجواهر العالية . كيف إذن يوفق ابن سينا بين هذين الطريقين ، طريق كسب الكليات دفعة عن الجواهر العالية ، وطريق كسب الكليات على سبيل تجريدها عن الجزئيات ؟ تستعين النفس بالبدن فتستفيد منه في أربعة أمور : ( 1 ) انتزاع النفس الكليات عن الجزئيات على سبيل تجريد لمعانيها ( 2 ) إيقاع نسب بين هذه الكليات على سبيل السلب والإيجاب ( 3 ) تحصيل المقدمات التجريبية مثل أن السقمونيا مسهل للصفراء ، وذلك لمشاهدة الحس هذه الجزئيات كثيرا ( 4 ) الأخبار التي يقع بها التصديق لشدة التواتر وقد يخيل إلى المرء وهو يقرأ هذا الكلام أن ابن سينا من الفلاسفة التجريبيين الذين يعولون في كسب المعرفة على الحواس قبل كل شيء ، فها هو ذا يقول : إن النفس تنتزع