أبو علي سينا

177

أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )

غير جسم ، ولا في جسم ، قائم بذاته . فإذن هذا الفيض الّذي تتصل به النفس جوهر عقلي لا جسم ولا في جسم قائم بذاته يقوم للنفس الناطقة مقام الضوء للبصر . إلا أنّ الضوء يفيد البصر القوة على الإدراك فقط ، لا الصورة المدركة . وهذا الجوهر يفيد بانفراد ذاته القوة الناطقة القوة على الإدراك ، وتحصل فيه الصور المدركة أيضا ، كما أوضحناه . وإذا كان تصور النفس النطقية للصور الناطقة كما لا له ، وحاصلا عند الاتصال بهذا الجوهر ، وكانت الأشغال البدنية من فكرها وأحزانها وفرحها وأشواقها تعوق القوة عن الاتصال به فلا تتصل به إلا برفض جميع هذه القوى وتخليتها ، وليس شيء يمنعها عن دوام الاتصال إلا البدن ، فإنها إذن إذا فارقت البدن لم تزل متصلة بمكمله ومتعلقة به . وما اتصل بمكمله وتعلق به أمن من الفساد ، لا سيما إذا كان مع الانقطاع عنه لا يفسد . فإذن النفس بعد الموت تبقى دائما غير مائتة متعلقة بهذا الجوهر الشريف ، وهو المسمى بالعقل الكلى ، وعند أرباب الشرائع بالعلم الإلهي . وأما القوى الأخر كالحيوانية والنباتية ، فلما كان ليس شيء منها يفعل فعله الخاص إلا بالبدن ، فإذن لا تفارق الأبدان البتة ، بل تموت بموتها ، إذ كل شيء قائم لا فعل له فهو معطل ، وليس شيء في الطبيعة معطل . إلا أن النفس النطقية قد استفادت بالاتصال بها صفوتها وتركت عليه القشور ، ولولا ذلك لما استعملتها في بصر . فإذن النفس الناطقة سترحل بلباب القوى الأخر بعد الممات . فقد بيّنا القول في النفوس ، وأنّ أي النفوس هي الباقية ، وأيها تسعد بالبقاء . وبقي علينا مما يتصل بهذا البحث بيان كيفية وجود النفس في الأبدان ، والغرض الّذي لأجله وجدت فيها ، وما ينالها في الآخرة من اللذة الأبدية ، والعقاب السرمدي ، والعقاب الزائل بعد مدة تأتى على مفارقة البدن ، والكلام على المعنى الموسوم عند أرباب الشرائع بالشفاعة ، وعلى صفة الملائكة الأربعة ، وحملة العرش . ولولا أن العادة جرت بإفراد هذا البحث عن البحث الّذي نحن بسبيله