أبو علي سينا

174

أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )

فنقيضه ، وهو قولنا : إن الصورة الكلية لا تحل جسما من الأجسام صادق . فإذن الجوهر الّذي تحل فيه الصورة العقلية الكلية جوهر روحاني غير موصوف بصفات الأجسام ، وهو الّذي نسميه بالنفس الناطقة . وذلك ما أردنا أن نبين . ومن البراهين التي تدل على هذا المطلوب وتصحيحه ما أنا مبينه ، فأقول : إن الجسم بذاته لا يقوم على تصور المعقولات ، إذ جميع الأجسام مشتركة في الجسم مفترقة في التمكن من تصور المعقولات ؛ فإذن إنما توصف الأجسام الحيوانية بأنها تتصور المعقولات بقوى موضوعة فيها . وهذه القوى إن كانت تتصور بذاتها بلا مشاركة الجسم فإذن هي بذاتها صالحة لأن تكون محلا للصور العقلية . وما هذا وصفه فهو جوهر ، فإذن إن كان هذا حاصلا فهي جواهر . فبيّن أن هذه القوة إنما تتصور المعقولات بذاتها لا بمشاركة الجسم ، بأن نقول : إن كل ما أدرك شيئا بمشاركة الجسم فمهما تكررت عليه مدركات شاقة أدت إلى إفساده وإيراد الكلال عليه لوهى الآلة وتغيرها عن قوتها لما اعتراها من المشقة في استعمال القوى إياها . ولذلك تضعف القوة المبصرة مهما أدمنت النظر إلى صورة الشمس ، والقوة السامعة إذا تكررت وصول الأصوات القوية إليها . ثم هذه القوة ، أعنى المتصورة للمعقولات كلما أدركت المعقولات الشاقة صارت على فعلها أقوى ، فإذن ليس لها إلى الآلة حاجة في إدراكها ، فهي إذن مدركة بذاتها . وقد بينا أن كل قوة مدركة بذاتها جوهر ، وذلك ما أردنا أن نبين . ومن البراهين التي تدل على هذا المطلوب ما أنا مبينه ، فأقول : حلول الصورة في الجسم انفعال وقبول ؛ ولامتناع كون الشيء الواحد فاعلا ومنفعلا يتضح لنا أن الجسم لا يمكنه أن يلبس بذاته صورة معقولة ويخلع أخرى . وذلك لا يخلو إما أن يكون فعلا خاصا للجسم ، أو فعلا خاصا للقوة الناطقة ، أو فعلا مشتركا بينهما ، وقد بيّن أن الفعل لا يجوز أن تكون إضافته إلى الجسم بالتخصيص . وأقول : ولا أيضا بالشركة ، إذ الجسم معاون القوة على