أبو علي سينا
175
أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )
إحلال صورة ما في ذاته وخلع صورة عن ذاته ، إذ علم أن الجسم مع القوة يصيران موضوعين لهذه الصورة الحاصلة . والموضوع لا يوسم إلا بالانفعال المجرد ، وكلا هذين فعلان ، فإذن هذا الفعل خاص إلى القوة ، وكل شيء لم يحتج في فعله الصادر عن ذاته إلى شيء يعينه ، فلن يحتاج في قوام ذاته إلى شيء يعينه ، إذ الانفراد بقوام الذات يتقدم الانفراد بإصدار الفعل بالذات . فإذن هذه القوة جوهر قائم بذاته . فإذن النفس الناطقة جوهر . ومن البراهين الدالة على صحة هذه الدعوى ما أنا مبينه ، فأقول : لا شك أن الجسم الحيواني والآلات الحيوانية إذا استوفين سن النمو وسن الوقوف أخذت في الذبول والتنقص وضعف القوة وكلال المنة ، وذلك عند الإنافة على الأربعين سنة . ولو كانت القوة الناطقة العاقلة قوة جسمانية آلية لكان لا يوجد أحد من الناس في هذه السنين إلا وقد أخذت قوته هذه تتنقص ؛ ولكن الأمر في أكثر الناس على خلاف هذا ، بل العادة جرت في الأكثر أنهم يستفيدون ذكاء في القوة العاقلة وزيادة بصيرة . فإذن ليس قوام القوة النطقية بالجسم والآلة ، فإذن هي جوهر قائم بذاته ، وذلك ما أردنا بيانه . ومن البراهين على صحة هذه الدعوى أن من البيّن أن ليس شيء من القوى الجسمانية له قوة على أفاعيل غير متناهية ، وذلك لأن قوة نصف من ذلك الجسم لا محالة توجد أضعف من قوة الجميع ، والأضعف أقل تقويا عليه من الأقوى ، وما قل من غير المتناهى فهو متناه ، فإذن قوة كل واحد من النصفين متناهية ، فإذن مجموعهما متناه ، إذ مجموع المتناهيين متناه ، وقد قيل إنه غير متناه ، وهذا خلف . فإذن الصحيح أن قوى الأجسام لا تقوى على أفاعيل غير متناهية . ثم القوة الناطقة تقوى على أفاعيل غير متناهية ، إذ للصور الهندسية والعددية والحكمية التي للقوة النطقية أن تفعل فيها أفعالا ما غير متناهية ؛ فإذن القوة النطقية ليست قائمة بالجسم ، فهي إذن قائمة بذاتها وجوهر بذاتها . ثم من البيّن أن فساد أحد الجوهرين المجتمعين لا يقتضي فساد الثاني ، فإذن موت البدن لا يوجب موت النفس . وذلك ما أردنا أن نبين .