أبو علي سينا
163
أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )
الهواء عنها بأسره بالقوة ، بل يحتبس في المنافذ . وإنما اشترط الانضمام السريع لأنه إذا تراخى وتباطأ لم ينفلت الهواء بالقوة . والصدى يكون عن تولد الهواء المنفلت عن المتصادمين لمصاكته جسما آخر صلبا عريضا أو مجوفا مملوءا من الهواء لمنع الهواء الّذي فيه عن نفوذ الهواء المنفلت وقرعه الأذن بعد القرعة الأولى على الشكل الأول . وأما القوة الشامة فإنها تشم الروائح عند استنشاق الهواء الّذي قبل عن الجسم ذي الرائحة رائحته ، كما يقبل الجسم عن الجسم السخن سخونته ، فإن الحيوان إذا استنشق مثل هذا الهواء في أنفه حتى مس مقدم الدماغ ، وغيّره إلى رائحته ، أحست به القوة الشامة . وأما الذوق فإنما يكون عند استحالة رطوبة الآلة الذواقة ، أعنى اللسان ، إلى الطعم الوارد ، وقبول جرم الآلة لذلك الطعم ، وإدراك القوة الذائقة لما عرض في الآلة . وأما اللمس فإنما يكون عند قبول الآلة بكيفية الملموس ، وإدراك القوة اللامسة لما عرض في الآلة . وجميع المحسوسات البسيطة الأولية والأصلية أزواج ثمانية ، فإذا أفردناها صارت ستة عشر . وهاك بيانها : وأما اللمس فأربعة أزواج ، أولها الحرارة والبرودة ، وثانيها الرطوبة واليبوسة ، وثالثها الخشونة والملاسة ، ورابعها الصلابة واللين . وأما الحواس الأربع الباقية فلكل واحد منها زوج ، فللشم زوج واحد وهو الرائحة الطيبة والمنتنة ، وللذوق زوج وهو الحلو والمر ، وللسمع زوج وهو الصوت الثقيل والحاد ، وللبصر زوج وهو الأبيض والأسود . وسائر المحسوسات مركبة من هذه البسائط ، ومتوسطة بين اثنين منها ، كالأغبر من الأبيض والأسود ، والفاتر من الحار والبارد . وجميع المحسوسات إنما تحس بضرب من الجمع والتفريق والقبض والبسط ، إلا الأصوات فإنها إنما تحس بتفريق .