محمد بن زكريا الرازي

54

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )

هي الكفاف « 1 » ، وأنّ ما فوقه من أحوال المعاش مقارب في ذلك بعضه لبعض ، بل للكفاف « 2 » دائما فضل الراحة عليها . فأىّ وجه للتحاسد إلّا الجهل بها واتّباع الهوى دون العقل فيها . وفيما ذكرنا « 3 » من هذا الباب أيضا كفاية ، فلنقل « 4 » الآن في الغضب « * »

--> ( 1 ) هو الكفاف ق ف - وما فوقه ل - مقارنة ق ف - بعضا لبعض ق ف - ( 2 ) وللكفاف ق ف ، وللكفاف بل للكفاف ل - وأىّ ق ف - ( 3 ) ذكرناه في ق ف ( 4 ) فلنقل . . . الغضب : سقط ق ف ( * ) قال الكرماني في القول السادس من الباب الأول من كتابه : وقوله في الفصل السابع في الحسد قول يجرى - في امتناع وقوع الانتفاع في الغرض المقصود بالكتاب ، بوكوله الأمر في محو الحسد عن النفس إليها - مجرى غيره من سابقه وتاليه ، لا يتعلق به طبّ لعجز النفس عن القيام بما وكله إليها من الاجتهاد في محو الحسد وغيره من الأمور التي هي منها كالأعلال عن ذاتها وإبعادها منها . وأنى يتمّ للنفس إبعاد ذلك وأمثاله عن ذاتها ، ولها قدرة ممنوحة وآلة موهوبة عونا لها على ما تريده وتهواه ، كالعين تبصر بها الموجودات المشتهاة المرغوب فيها من مأكول شهىّ ، وملبوس حسن مطلوب ، ومركوب حسن فيه مرغوب ، وكالأذن تسمع بها الأصوات الطيبة والألحان الشجية والنغمة المطربة ، وكالأنف تدرك به النسيم الطيب والروائح الطيبة ، وكالفم تدرك به المذاقات الطيبة والأطعمة اللذيذة ، وكالبشرة تدرك بها الليونة والنعومة . وكيف يتصوّر في النفس قعود عن طلب هذه الأمور كما قلنا ، وأمرها فيها نافذ مستمرّ على نظام بحسب اختيارها ، فلا تطلبها ولا تتمناها ولا تحسد الغير عليها إن عجزت عن تمولها وتحصيلها ، كلّا إلّا بباعث من خارجها - كما قلنا - يمنع ويقهر ويبعث ويعلم ويهدى . هذا والخطأ الأكبر تسميته النفس عقلا ، وليست كذلك ، وإنما يقال على النفس إنها عقل لا لأنها عاقلة لذاتها ، بل لكونها بالقوة عقلا . وإذا استفادت المعالم الإلهية وأقامت المناسك الشرعية فعقلت ذاتها عن اتباع هواها استحقت أن تكون عاقلة . فأما وهي تابعة لهواها ، متبعة مرادها وطغواها ، فهي في الريبة قائمة إلى أن تنبعث في العلم والعمل . ثم وكوله الأمر في سلب ذاتها الرذائل التي هي منها كالأعلال إلى ذاتها ، وهي خالية مما يكون باعثا لها من ذاتها على تلك الأمور المبعوثة عليها . ثم عدّه ما هو طبّ جسمانىّ - بذكره ما يورث الحسد من الغمّ والحزن اللذين يورثان السهر وسوء المزاج ورداءة اللون بحسب ما ذكره - فيما يكون طبا روحانيا ، وكان يكون كذلك لو قال « ما يحدث في النفس بالحسد من الأمور التي تضرّها في ذاتها ما يوازن السهر وسوء المزاج ورداءة اللون وغير ذلك في الجسم » على ما شرحه . ولم يذكر شيئا من ذلك ، فليس بطب روحانىّ ، فهو الخطأ