محمد بن زكريا الرازي

36

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )

التذلّل والخضوع والاستكانة وإظهار الفاقة والحاجة واحتمال التجنّى - والاستطالة . فهم إذا فكروا فيما يلزم العشّاق من هذه المعاني نفروا منه « 2 » وتصابروا وأزالوا الهوى « 3 » عنه وإن بلوا به ، وكذلك الذين تلزمهم أشغال وهموم بليغة اضطراريّة دنيائيّة أو دينيّة . فأمّا الخنثون « 4 » من الرجال والغزلون والفرّاغ والمترفون والمؤثرون للشهوات الذين لا يهمّهم سواها ولا يريدون من الدنيا إلّا إصابتها ، ويرون فوتها فوتا وأسفا ، « 6 » وما لم يقدروا عليه منها حسرة وشقاء ، فلا يكادون يتخلّصون من هذه البليّة ، لا سيّما إن أكثروا النظر في قصص العشّاق ورواية الرقيق الغزل من الشعر وسماع الشجى من الألحان « 8 » والغناء . فلنقل الآن « 9 » في الاحتراس من هذا العارض والتنبيه على مخاتله ومكامنه بقدر ما يليق لغرض كتابنا هذا . ونقدّم قبل ذلك كلاما نافعا معينا على بلوغ غرض « 10 » ما مرّ من هذا الكتاب وما يأتي بعده ، وهو الكلام في اللذّة فنقول : إنّ اللذّة ليست بشئ سوى إعادة ما أخرجه المؤذى عن حالته إلى حالته « 12 » « 13 » تلك التي كان عليها . كرجل خرج من موضع كنين ظليل إلى صحراء ثم سار في شمس صيفيّة حتى مسّه الحرّ ثم عاد إلى مكانه ذلك ، فإنه لا يزال يستلذّ « 14 »

--> ( 2 ) نفروا عنها ك - ( 3 ) وأزالوا الهوى : سقط ل - به ل : لهوا عنه ك - الذين يشغلهم هموم بليغة ك - ( 4 ) المخنثون ك - والغزلون صححنا : والمغزلون ك ، والغزلان ل - ( 6 ) فوتها أسفا ل - ( 8 ) الألحان و : سقط ك - ( 9 ) الآن : سقط ك - ( 10 ) غرض : سقط ل - ( 12 - 13 ) إلى حالته : سقط ك - إلى صحراء : سقط ك - ( 14 ) يلتذ ل غيره . وقد شهد بصحة ذلك قوله في هذا الفصل في معنى الخنثين والغزلين من الرجال وكون من ميزهم من هذه الرذيلة كهم من حيث الطبيعة . فالنفس ما دامت في رتبة النفسية لا ترى إلا فعل ما تهواه . وإذ كانت النفس لا تنبعث في أفعالها من ذاتها إلا فيما يجرى هذا المجرى من محبة معشوق ومألوف ومحسوس ونيل لذة وغلبة وقهر وسلب وتموّل وكذب ومكر وحيلة في التوصل إلى إقامة غرض ، بحسب ما جعل إليها من عمارة جسمها وحفظه فتكون حيوانا طبيعيا ، فممتنع أن يكون منها فعل من ذاتها يخالف هذه الأمور إلا بباعث هو غيرها . وفي امتناع الأمر أن يكون إلا كذلك بطلان قوله في غرضه المقصود