محمد بن زكريا الرازي

37

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )

ذلك المكان حتى يعود بدنه إلى حالته « 1 » الأولى « * » ، ثم يفقد ذلك الاستلذاذ مع عود بدنه إلى الحالة الأولى ، وتكون شدّة التذاذه بهذا المكان بمقدار شدّة إبلاغ الحرّ إليه وسرعة هذا المكان في تبريده . وبهذا المعنى حدّ الفلاسفة الطبيعيّون اللذّة ، فإنّ حدّ اللذّة عندهم هو أنها رجوع إلى الطبيعة . ولأنّ الأذى والخروج عن الطبيعة ربما حدث قليلا قليلا في زمان طويل ، ثم حدث بعقبه رجوع إلى الطبيعة دفعة في زمان قصير صار في مثل هذه الحال يفوتنا الحسّ بالمؤذى ويتضاعف بيان الإحساس بالرجوع إلى الطبيعة ، فنسمّى هذه الحال لذّة . ويظنّ بها من لا رياضة له أنها حدثت من غير أذى تقدّمها ، ويتصوّرها مفردة خالصة بريّة من الأذى . وليست الحال على الحقيقة كذلك بل ليس يمكن أن تكون لذّة بتّة « 9 » إلّا بمقدار ما تقدّمها من أذى الخروج عن الطبيعة . فإنه بمقدار أذى الجوع

--> ( 1 ) إلى الحالة ك - ( 9 ) بتة ، صححنا : منه ل ( * ) إلى هاهنا انتهت رواية ك وهي تستأنف ص 45 ، وقال الكرماني في نقده لكلام الرازي : وقوله في هذا الفصل في اللذة « إنها ليست شيئا سوى . . . إلى الحالة الأولى » قول موجب ما هو محال ذلك بايجابه أن اللذة هي الحالة الأولى التي عاد إليها المتأذى بحرّ الشمس وكون الكائن في تلك الحالة الذي هو المستكنّ في الموضع الكنين الذي لم يلق حرّ الشمس غير واجد ما يجده الذي مسه حرّ الشمس وعاد إليها من اللذة . فان من المعلوم أن الذي لم يلق حرّ الشمس ولا يجد الأذى لا يحنّ إلى الظل ولا يستلذ الماء البارد كما يستلذه المتأذى بالحرّ . وإذا كان ذلك كذلك فقد ظهر كون ما قاله إن اللذة هي تلك الحالة الأولى محالا . ثم أوجب بقوله ما قاله أن اللذة لا توجد إلا بعد تقدم ما يكره وأنها تزول ولا تثبت ، وذلك أمر غير مستمرّ في كل اللذات . فمن اللذات ما هو سرمدي لا يزول ويوجد لا عن مكروه يتقدمه ، مثل لذات الآخرة الموعود بها في الجنة التي لا مكروه فيها ولا زوال لها . والذي نقوله في اللذة إنما هي مصير الذات بما كان كمالا لها أمرا كاملا له الغنية ، وهي فيما كان محسوسا بعد وجودها زائلة بكون ما كان به كمالها مفارقا متغايرا ، كلذة التقاء الحاس بالمحسوس وزوالها بالمفارقة ، وكلذة الحبيب بالاجتماع مع المحبوب وزوالها بالمفارقة ، وفيما كان معقولا غير زائلة ولا مفارقة بكون ما كان كمالا لها غير مفارق ولا متغاير ، كلذة النفس في تصوّر ما هو كمال لذاتها وبقاءها على حالتها بكون ما فيه كمالها في ذاتها باقيا غير زائل