محمد بن زكريا الرازي
35
رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )
وأسرف في تقبيح شئ رآه منه وتهجينه لم يغضبه ذلك بل حمده عليه وأظهر له بشرا وسرورا بما رآه منه . وينبغي أن يجدّد سؤال هذا المشرف عليه حالا بعد حال . فإنّ الأخلاق والضرائب الرديّة قد تحدث بعد أن لم تكن . وينبغي أن يستخبر ويتحسّس « 4 » ما يقول فيه جيرانه ومعاملوه وإخوانه وبما ذا يمدحونه وبما ذا يعيبونه ، فإنّ الرجل إذا سلك في هذا المعنى هذا المسلك لم يكد يخفى عليه شئ من عيوبه وإن قلّ وخفى . فإن اتّفق له ووقع « 6 » عدوّ ومنازع محبّ لإظهار مساويه ومعايبه لم يستدرك من قبله معرفة عيوبه ، بل اضطرّ وألجىء إلى الإقلاع عنها ، إن كان ممّن لنفسه عند نفسه مقدار وممّن يحبّ أن يكون خيّرا فاضلا . وقد كتب في هذا المعنى جالينوس كتابا جعل رسمه « في أنّ الأخيار ينتفعون بأعدائهم » ، فذكر فيه منافع صارت إليه من أجل عدوّ كان له . وكتب أيضا « في تعرّف الرجل عيوب نفسه » مقالة قد ذكرنا نحن جوامعها وجملتها هنا . وفيما ذكرنا من هذا الباب كفاية وبلاغ ، ومن استعمله لم يزل كالقدح مقوّما مثقّفا الفصل الخامس في العشق والإلف وجملة الكلام في اللذّة ( * ) « 14 » أمّا الرجال المذكورون الكبار الهمم والأنفس فإنهم يبعدون من « 15 » هذه البليّة من نفس طبائعهم وغرائزهم . وذلك أنه لا شئ أشدّ على أمثال هؤلاء من
--> ( 4 ) ويتجسس ل - ( 6 ) ووقع ، صححنا : أو وقع ل - ( 14 ) وجملة الكلام في اللذة : سقط ك - ( 15 ) بعيدون من ك ( * ) ورد ابتداء هذا الفصل في القول السادس من الباب الأول من كتاب الكرماني ، وقال الكرماني ردا على كلام الرازي : وقوله في الفصل الخامس في العشق وكيفية اللذة والإلف وأنه يجب الاحتراس منه بتمرين العادة بمفارقة المألوف والتجأ في عنه لا منفعة فيه . وكيف تفارق النفس ما قد ألفته وتحترس منه ، وعندها أنه هو المأثور والخير المطلوب وأن الذي هي فيه هو خير لها من