محمد بن زكريا الرازي
31
رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )
إليه وتحرص على الكون فيه لم تبرح مكانها « 1 » ولم تزل متعلّقة بشئ منه ، ولم تزل - لتداول الكون والفساد للجسد الذي هي فيه - في آلام متّصلة مترادفة وهموم « 2 » جمّة مؤذية « * » . فهذه جملة من رأى فلاطن « 3 » ومن قبله سقراط المتخّلى المتألّه . وبعد فما من « 4 » رأى دنيائىّ قطّ إلّا ويوجب شيئا من زمّ الهوى والشهوات ولا يطلق إهمالها وإمراجها ، فزمّ الهوى وردعه واجب في كل رأى وعند كل عاقل وفي كل دين « 5 » . فليلاحظ العاقل « 6 » هذه المعاني بعين عقله ويجعلها من همّه وباله . وإن هو لم يكتسب من هذا الكتاب أعلى الرتب والمنازل في هذا الباب فلا أقلّ من أن يتعلّق ولو « 8 » بأخسّ المنازل منه ، وهو رأى من رأى زمّ الهوى بمقدار ما لا يجلب
--> ( 1 ) مكانه ك - ( 2 ) وفي هموم ق - ( 3 ) افلاطن ق ، أفلاطون ك - المتخلي عن الدنيا ك - ( 4 ) من : سقط ك - من راء رأيا إلا ل - . شيئا من : سقط ل - ( 5 ) في كل رأى ودين ك - ( 6 ) فينبغي للعاقل أن يلاحظ ك ق - ( 8 ) ولو : سقط ق - يرى ك ( * ) قال الكرماني في القول الخامس من الباب الأول عند نقده لكلام الرازي : وأما القول إيجابا لمكث النفس بعد مفارقة الشخص وتعلقها بشخص آخر فنقول : إن الأمر في تعلقها بجسم آخر لا يخلو إما أن يكون من تلقاء ذاتها أو من تلقاء غير يقهرها على التعلق . فإن كان تعلقها من تلقاء ذاتها فيمتنع ويبطل من وجهين أحدهما من قبل الجسم الذي تتعلق به وتتحول إليه بعد مفارقتها ما كانت فيه ، بكون كل جسم إن كان ركنا من الأركان الأربعة التي هي مواد المواليد الثلاثة مستغنية مادته بصورتها الفاعلة بها التي بها هو ركن عن صورة أخرى ، وإن كان نباتا كذلك مستغنية مادته بما لها من الصورة الفاعلة بها من النامية التي بها هو نبات عن غيرها ، وإن كان معدنا أو حيوانا كذلك الحال في مادة كل منهما مشغولة بصورتها الفاعلة فيها التي بها هي معدن وحيوان وامتناع وجود مادة خالية من صورة فاعلة بها فتكون صورة لها في تعلقها بها . . . وإن كان تعلقها من تلقاء غير قاهر لها على التعلق والتحول فممتنع باطل كذلك فلا يخلو القاهر أن يكون إما حكيما أو غير حكيم ، وإن كان غير حكيم فيكون النقل منه لاصلاح واستصلاح من الأفعال التي توجبها الحكمة وتقتضيها يبطل أن يكون غير حكيم فكونه حكيما ثابت . وإذا كان حكيما فنقله إياها إما لسلبها رذيلة أو لكسبها فضيلة ، ويبطل الوجهان بامتناع الامر فيهما واستحالته من قبيلهما إذا كان نقلها إلى أجسام البهائم والوحوش لو كان ممكنا . . . فقد ثبت أن النفس بعد مفارقتها جسمها باقية على حال ما اكتسبته بأفعالها بحسب هواها أو تقواها من غير اتصال بجثة أخرى ، وخيرها وشرها بمقدار أعمالها وأفعالها على ما عليه اعتقاد الديانين التابعين للأنبياء عليهم السلام