محمد بن زكريا الرازي

30

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )

وغيره مقدار ما تحتاج إليه في بقاء مزاج الدماغ على حالة الصحّة ، « 1 » لكن يبحث ويتطلّع ويجتهد غاية الجهد « 2 » ويقدّر بلوغ هذه المعاني والوصول إليها في زمان أقصر من الزمان الذي لا يمكن بلوغها إلّا فيه ، فيفسد حينئذ مزاج جملة الجسد حتى يقع في الوسواس السوداوىّ والمالنخوليا « 4 » ويفوته ما طلب من حيث قدّر سرعة الظفر به . ويرى أنّ المدّة التي جعلت « 5 » لبقاء هذا الجسد المتحلّل الفاسد بالحال التي يمكن النفس الناطقة استعمالها فيما تحتاج إليه لصلاح أمرها بعد مفارقته - وهي المدّة التي منذ حين « 7 » يولد الإنسان إلى أن يهرم ويذبل - مدّة يفي فيها كل أحد ، ولو كان أبلد الناس بعد أن لا يضرب عن الفكر والنظر البتّة ، بالتطلّع على المعاني « 8 » التي ذكرنا أنها تخصّ النفس الناطقة وبأن يرذل هذا الجسد والعالم الجسدانىّ البتّة « 9 » ويشنأه ويبغضه ، ويعلم أنّ النفس الحسّاسة ما دامت - متعلّقة بشئ منه لم تزل في أحوال مؤذية مؤلمة من أجل تداول الكون والفساد إيّاه « 11 » ، ولا يكره بل يشتاق إلى مفارقته والتخلّص منه . ويرى أنه متى كانت مفارقة النفس الحسّاسة للجسد الذي هي فيه وقد اكتسبت هذه المعاني « 13 » واعتقدتها صارت في عالمها ولم تشتق إلى التعلّق بشئ من الجسم « 14 » بعد ذلك البتّة ، وبقيت بذاتها حيّة ناطقة غير مائتة ولا آلمة مغتبطة بموضعها ومكانها . أمّا الحياة والنطق فلها من ذاتها ، وأمّا بعدها عن « 15 » الألم فلبعدها عن الكون « 16 » والفساد ، وأمّا اغتباطها بمكانها وعالمها فلتخلّصها من مخالطة الجسم والكون في العالم الجسدانىّ . وأنه متى كانت مفارقتها للجسد وهي لم تكتسب هذه المعاني ولم تعرف العالم الجسدانىّ حقّ معرفته بل كانت تشتاق

--> ( 1 ) على حالته الصحيحة ك - ( 2 ) غاية الاجتهاد ل - ( 4 ) والماليخوليا ك ق - ( 5 ) قد جعلت لهذا ق - ( 7 ) حين : سقط ك - ( 8 ) إلى المعاني ق - ( 9 ) البتة : سقط ل - ( 11 ) إياها ق - ( 13 ) هذا المعنى واعتقدته ق - وصارت ك ، فحصلت وصارت ق - لم تشتق ق - ( 14 ) الجسد ق - بقيت ك - ( 15 ) عن : من ق ( 16 ) من الكون ق - فاكتبسته من مخالطة ل