الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

8

هداية المسترشدين

وما يقال : من أن هذا إنما يدل على عدم إفادة الأمر الوحدة أو التكرار بالمادة ، فلم لا يدل عليهما بالصيغة ؟ فجوابه : أنا قد بينا انحصار مدلول الصيغة بمقتضى حكم التبادر في طلب إيجاد الفعل . وأين هذا عن الدلالة على الوحدة أو التكرار ؟ احتج الأولون بوجوه : أحدها : أنه لو لم تكن للتكرار ، لما تكرر الصوم والصلاة . وقد تكررا قطعا . والثاني : أن النهي يقتضي التكرار ، فكذلك الأمر ، قياسا عليه ، يجامع اشتراكهما في الدلالة على الطلب . والثالث : أن الأمر بالشئ نهي عن ضده ، والنهي يمنع عن المنهي عنه دائما ، فيلزم التكرار في المأمور به . والجواب عن الأول : المنع من الملازمة ، إذ لعل التكرار إنما فهم من دليل آخر . سلمنا ، لكنه معارض بالحج ، فإنه قد امر به ، ولا تكرار . وعن الثاني من وجهين : أحدهما - أنه قياس في اللغة ، وهو باطل ، وإن قلنا بجوازه في الأحكام . وثانيهما - بيان الفارق ، فإن النهي يقتضي انتفاء الحقيقة ، وهو إنما يكون بانتفائها في جميع الأوقات ، والأمر يقتضي إثباتها وهو يحصل بمرة ، وأيضا التكرار في الأمر مانع من فعل غير المأمور به . بخلافه في النهي ، إذ التروك تجتمع وتجامع كل فعل . وعن الثالث : بعد تسليم كون الأمر بالشئ نهيا عن ضده ، أو تخصيصه بالضد العام وإرادة الترك منه ، منع كون النهي الذي في ضمن الأمر مانعا عن المنهي عنه دائما ، بل يتفرع على الأمر الذي هو في ضمنه ، فإن كان ذلك دائما فدائما ، وإن كان في وقت ، ففي وقت . مثلا الأمر بالحركة دائما يقتضي المنع من السكون دائما ، والأمر بالحركة في ساعة يقتضي المنع من السكون فيها ، لا دائما .