الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

57

هداية المسترشدين

كان فهم ذلك من الصيغة متوقفا على ملاحظتها في المقام ، وليس كذلك ، فإن ذلك يفهم منها وإن قطع النظر عن القرينة المفروضة ولذا يتبادر الفور من سائر الأوامر الواردة في الاستعمالات العرفية ، فلو أخر المكلف أداءها ذمه العقلاء على فرض وجوب طاعة الأمر وعاتبوه على التأخير ، ولذا لا يفهم من شئ من الأوامر الواردة في العرف إرادة طلب مطلق الفعل ولو في مدة عمر المأمور . وقد قرر بعضهم الاحتجاج بحكم العرف بعصيان العبد مع ترك المبادرة إلى امتثال أوامر المولى . نعم لا يبعد القول بتفاوت الأفعال في ذلك فيكون ذلك شاهدا على القول بالفور ببعض الوجوه المذكورة . ويمكن دفعه بالمنع من تبادر الفور من خطابات المولى للعبد ، وإنما ينصرف الأمر فيها على حسب ما يقوم القرينة عليه في المقام ، فالأمر بسقي الماء ينصرف إلى التعجيل ، نظرا إلى قضاء العادة به ، والأمر بشراء اللحم ينصرف إلى شرائه في وقت يمكن طبخه للوقت المعهود ، وكذا الحال في غيرهما من المطالب ، فيختلف الحال فيها بحسب اختلاف الحاجات ، وليس ذلك من دلالة اللفظ في شئ ، ولو فرض عدم قيام القرينة على خصوص زمان من الأزمنة في بعض المقامات فلا انصراف في الصيغة . نعم لو أخر حينئذ إلى حيث يصدق التهاون في الامتثال دل العرف على المنع من تلك الجهة ، وقد عرفت أن ذلك ليس من الفور في شئ وإنما هو تحديد لجواز التأخير على القول بالطبيعة أو التراخي ، وليس ذلك إذن قيدا في الأمر حتى يجري فيه الخلاف في فوات المطلوب بفوات الفور ليقال بسقوط الوجوب على أحد الوجهين ، بل لا ريب حينئذ في بقاء الأمر ، وإنما يحكم بالعصيان من جهة التهاون في الامتثال والمسامحة في أداء ما أهم به المولى مما أوجب الإتيان به ووجوب الفعل على حاله . نعم لو كان هناك قرينة على إرادة الزمان المعين ، كما في كثير من المقامات سقط بفوته من تلك الجهة ، وليس ذلك من محل البحث أيضا .