الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

58

هداية المسترشدين

قوله : * ( إن الذم باعتبار . . . الخ ) * . يمكن الجواب عنه أيضا بمنع دلالة الاستفهام المذكور على الذم فإنه إنما يتم لو كان للتوبيخ والإنكار ولا يتعين الوجه فيه في ذلك ، لجواز حمله على إرادة التقرير ، حيث إنه وقع الترك منه على جهة الاستكبار والإنكار ، فأراد سبحانه بالاستفهام المذكور تقريره به عليه واعترافه به ليقوم عليه الحجة في الطرد والإبعاد ، فلا دلالة فيها على حصول الذم أصلا حتى يكون ذلك على ترك الفور ، وقد مرت الإشارة إلى ذلك . قوله : * ( والدليل على التقييد . . . الخ ) * . كأن الوجه فيه أن " إذا " للتوقيت ، فتفيد أن الجزاء لا بد من حصوله في ذلك الوقت أو أن " الفاء " يفيد التعقيب بلا مهلة ، فيدل على ترتب الجزاء على الشرط من غير فصل . ويشكل الأول أنه لا دليل على كون " إذا " للتوقيت ، بل لا بعد في حملها على الشرطية ، بل ربما يكون الحمل عليها أظهر . وحينئذ فيكون " الفاء " في قوله تعالى : * ( فقعوا له ) * ( 1 ) جزائية ، ولا دلالة فيها على التعقيب بلا مهلة ، فإن ذلك مفاد الفاء العاطفة ، فظهر بذلك فساد الوجه الثاني . وقد يحتج على النحو المذكور بغير هذه الآية مما دل على ترتب الذم أو العقوبة على مخالفة الأوامر المطلقة ، كآية التحذير ، وقوله : * ( وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ) * ( 2 ) إذ لولا أن الأمر للفور لما صح ترتب الذم على مخالفة الأمر المطلق ، لعدم استحقاق الذم حينئذ إلا عند الوفاة . وفيه : أن تأخير الفعل إلى حد التهاون ، سيما مع العزم على ترك الفعل رأسا يصحح ترتب الذم عليه وإن كان فعله أخيرا يبرئ الذمة . وقد عرفت أن ذلك مما لا ربط له بالقول بالفور .

--> ( 1 ) الحجر : 29 . ( 2 ) المرسلات : 48 .