الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
43
هداية المسترشدين
فيستحيل مسارعة العبد إليها ، وحينئذ فتجب المسارعة إلى فعل المأمور به . وقوله تعالى : * ( فاستبقوا الخيرات ) * فإن فعل المأمور به من الخيرات ، فيجب الاستباق إليه . وإنما يتحقق المسارعة والاستباق بأن يفعل بالفور . وأجيب : بأن ذلك محمول على أفضلية المسارعة والاستباق ، لا على وجوبهما ، وإلا لوجب الفور ، فلا يتحقق المسارعة والاستباق ، لأ نهما إنما يتصوران في الموسع دون المضيق ، ألا ترى أنه لا يقال لمن قيل له " صم غدا " فصام : " إنه سارع إليه واستبق " . والحاصل : أن العرف قاض بأن الإتيان بالمأمور به في الوقت الذي لا يجوز تأخيره عنه لا يسمى مسارعة واستباقا ، فلا بد من حمل الأمر في الآيتين على الندب ، وإلا لكان مفاد الصيغة فيهما منافيا لما تقتضيه المادة . وذلك ليس بجائز فتأمل ! . الخامس : أن كل مخبر كالقائل : " زيد قائم ، وعمرو عالم " وكل منشئ كالقائل : " هي طالق ، وأنت حر " إنما يقصد الزمان الحاضر . فكذلك الأمر ، إلحاقا له بالأعم الأغلب . وجوابه : أما أولا فبأنه قياس في اللغة ، لأ نك قست الأمر في إفادته الفور على غيره من الخبر والإنشاء ، وبطلانه بخصوصه ظاهر . وأما ثانيا فبالفرق بينهما بأن الأمر لا يمكن توجهه إلى الحال ، إذ الحاصل لا يطلب ، بل الاستقبال ، إما مطلقا ، وإما الأقرب إلى الحال الذي هو عبارة عن الفور ، وكلاهما محتمل ، فلا يصار إلى الحمل على الثاني إلا لدليل . السادس : أن النهي يفيد الفور ، فيفيده الأمر ، لأنه طلب مثله . وأيضا الأمر بالشئ نهي عن أضداده ، وهو يقتضي الفور بنحو ما مر في التكرار آنفا .