الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
32
هداية المسترشدين
الأمر حتى يقال : بدلالتها على الدوام ، والقدر المسلم من حصول معنى النهي فيه هو طلب ترك الضد على نحو الطلب المتعلق بالفعل ، فإن كان الطلب الحاصل في الأمر للدوام كان النهي عن ضده كذلك وإلا فلا ، فلا يتجه الاحتجاج إلا أن يقال : إن قضية القول بكون الأمر بالشئ مقتضيا للنهي عن ضده أن مقتضى الأمر حصول ما يقتضيه لفظ النهي المتعلق بضده ، فيكون دلالتها على مطلوبية ترك الضد على سبيل الدوام اللازمة للأمر - على حسب ما يدعيه - كاشفا عن كون طلب الفعل أيضا كذلك ، فإذا سلم هذا الاقتضاء تم المدعى . والجواب عنه منع هذا الاقتضاء ، فإن غاية ما يسلم من ذلك دلالته على النهي عن ضده على نحو الطلب الحاصل في الأمر حسب ما ذكرنا . فإن قلت بتبعية النهي للأمر حسب ما ذكره المصنف مما لا كلام فيه ، لوضوح أنه إذا تعلق الأمر بفعل دائما قضي بكون النهي عنه كذلك ، وإن كان مرة كان النهي عنه كذلك ، لكن نقول : إن قضية ذلك كون الأمر المتعلق بطبيعة الفعل قاضيا بتعلق النهي أيضا بطبيعة ضده وقضية النهي المتعلق بالطبيعة هو الدوام والاستمرار ، لعدم تحقق الترك إلا به . قلت : لما كان قضية الأمر المتعلق بالطبيعة هو الإتيان بتلك الطبيعة في الجملة ولو في ضمن المرة كان قضية النهي اللازم له هو طلب ترك ضده كذلك ، فإنه القدر اللازم للأمر المفروض ، وكما أن إيجاد طبيعة الفعل يتحقق بفعله مرة فكذلك ترك طبيعة الفعل ، وإنما لا نقول به في النهي الصريح ، نظرا إلى قضاء ظاهر الإطلاق وللزوم اللغو في غالب الاستعمالات لقيام الضرورة على حصول الترك في الجملة ، ولا يجري شئ منهما في النهي التابع للأمر ، كما لا يخفى هذا . وقد ذكر للقائل بالتكرار حجج اخر موهونة جدا على نحو الحجج المذكورة : منها : أنه يتبادر منه الدوام ، ألا ترى أنك لو قلت : " أكرم أباك وأحسن إلى صديقك وتحذر من عدوك " لم يفهم منها عرفا إلا الدوام . وهو أمارة الحقيقة . وضعفه ظاهر ، فإن الدوام فيها إنما يستفاد من المقام .