عبد الرحمن السهيلي
305
الروض الأنف في شرح السيرة النبوية
وغيرهم من علمائنا ، كلّ حدث في غزوة تبوك ما بلغه عنها ، وبعض القوم يحدّث ما لا يحدّث بعض : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر أصحابه بالتّهيّؤ لغزو الروم ، وذلك في زمان من عسرة الناس ، وشدّة من الحرّ ، وجدب من البلاد : وحين طابت الثمار ، والناس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم ، ويكرهون الشّخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه ؛ وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قلّما يخرج في غزوة إلا كنى عنها ، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له ، إلا ما كان من غزوة تبوك ، فإنه بيّنها للناس ، لبعد الشّقّة ، وشدة الزمان ، وكثرة العدوّ الذي يصمد له ، ليتأهب الناس لذلك أهبته ، فأمر الناس بالجهاز ، وأخبرهم أنه يريد الروم . [ شأن الجد بن قيس ] شأن الجد بن قيس فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجدّ ابن قيس أحد بنى سلمة : يا جدّ ، هل لك العام في جلاد بنى الأصفر ؟ فقال : يا رسول اللّه ، أو تأذن لي ولا تفتنّى ؟ فو اللّه لقد عرف قومي أنه مامن رجل بأشدّ عجبا بالنساء منى ، وإني أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر أن لا أصبر ، فأعرض عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : قد أذنت لك . ففي الجدّ ابن قيس نزلت هذه الآية : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي ، أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ التوبة : 49 . أي إن كان إنما خشي الفتنة من نساء بنى الأصفر ، وليس ذلك به ، فما سقط فيه من الفتنة أكبر ، بتخلفه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والرغبة بنفسه عن نفسه ، يقول تعالى : وإنّ جهنّم لمن ورائه .