الشريف الإدريسي
مقدمة الناشر 10
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق
النهايتين اللتين إحداهما نهاية المعمورة من جهة الجنوب ، وأكثرها خلاء لشدة الحر وقلة المياه ، والنهاية الثانية نهاية المعمورة في جهة الشمال ، وأكثرها خلاء لشدة البرد ، وأيضا بان مع ما ذكرناه وقدمنا وصفه أن الناظر إذا نظر إلى هذه الصفات المصورة والبلاد المذكورة رأى منها وضعا صحيحا وشكلا صبيحا ، لكن يبقى عليه بعد ذلك أن يعلم صفات الممالك وهيئات الأمم وحلاها وزيها وطرقاتها المسلوكة بأميالها وفراسخها وعجائب بلادها » . وأما الأبواب السبعة المتتالية ، فقد خصّص كل باب منها للتعريف بإقليم من هذه الأقاليم « السبعة » المتعارف عليها في الجغرافية القديمة لدى « بطلميوس » ومن تابعه ، مع توزيعها في داخلها على عشرة أجزاء ، يسير في وصفها من الغرب إلى الشرق ، ابتداء بالمحيط الأعظم ( الأطلسي ) عند الجزائر الخالدات ، وانتهاء ببحر الصين ، معتمدا في هذه الطريقة الوصفية على « المدن » كنقط ارتكاز للوصف ، وكأنه يسير في رحلة في نواحي الجزء الذي يصفه . وبهذا نجد أن « النزهة » قد امتازت عن غيرها من المؤلفات الجغرافية التراثية السالفة عليها بأنها تحمل تصورا عاما يشمل الكرة الأرضية كلها على أنها « كل واحد » جدير بالوصف والتحقيق ، المبني على المشاهدة ، والقياس ، والمقارنة ، والربط بين الأجزاء ، مع مراعاة النسب فيما بينها ، وإن أدى تقسيمها إلى أبواب وفصول إلى تقطيع البلد الواحد في أجزاء متناثرة في الأقاليم ، يتطلب جمعها مجهودا خاصا . مصادر مادة الكتاب : أجمل « الإدريسي » في مقدمة كتابه جل مصادره ، قائلا : « . . . فمن بعض معارفه ( معارف رجار الثاني ) السنية ، ونزعاته الشريفة العلوية ، أنه لما اتسعت أعمال مملكته ، وتزايدت همم أهل دولته ، وأطاعته البلاد الرومية ، ودخل أهلها تحت طاعته وسلطانه ، أحب أن يعرف كيفيات بلاده حقيقة ، ويقتلها يقينا وخبرة ، ويعلم حدودها ومسالكها برا وبحرا ، وفي أي إقليم هي ، وما يخصها من البحار والخلجان الكائنة بها ، مع معرفة غيرها من البلاد والأقطار في الأقاليم السبعة التي اتفق عليها المتكلمون ، وأثبتها في الدفاتر الناقلون والمؤلفون ، وما لكل إقليم منها من قسم بلاد يحتوي عليه ويرجع إليه ، ويعد منه ، بطلب ما في الكتب المؤلفة في هذا الفن من علم ذلك كله ، مثل : كتاب