يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

21

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الكتب )

فهو فرض على الكفاية ، يلزم الجميع فرضه فإذا قام به قائم سقط فرضه عن الباقين بموضعه ، لا خلاف بين العلماء في ذلك ، وحجتهم فيه قول اللّه عز وجل : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ . فألزم النفير في ذلك البعض دون الكل ، ثم ينصرفون فيعلمون غيرهم ، والطائفة في لسان العرب : الواحد فيما فوقه . وكذلك الجهاد فرض على الكفاية لقول اللّه عز وجل : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى قوله : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً [ النساء : 95 ] ، ففضل المجاهد ولم يذم المتخلف ، والآيات في فرض الجهاد كثيرة جدا ، وترتيبها مع الآية التي ذكرنا على حسب ما وصفنا عند جماعة أهل العلم ، فإن أكل العدو بلدة لزم الفرض حينئذ جميع أهلها ، وكل من قرب منها ، إن علم ضعفها عنه ، وأمكنه نصرتها لزمه فرض ذلك أيضا ، قال أبو عمر : ورد السلام عند أصحابنا من هذا الباب فرض على الكفاية لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « وإن رد السلام واحد من القوم أجزأ عنهم » « 1 » . وخالفهم العراقيون فجعلوه فرضا متعينا على كل واحد من الجماعة إذا سلم عليهم ، وقد ذكرنا وجه القولين ، والحجة لمذهب الحجازين في كتابنا كتاب « التمهيد » لآثار الموطأ ، والآية المبينة لرد السلام بإجماع هي قوله تعالى : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها . ومن هذا الباب أيضا تكفين الموتى وغسلهم والصلاة عليهم ومواراتهم ، والقيام بالشهادة عند الحكام ، فإن كان الشاهدان عدلين ولا شاهد له غيرهما ، تعين الفرض « 2 » عليهما ، وصار من القسم الأول . ومن هذا الباب عند جماعة من أهل العلم الآذان في الأمصار ، وقيام رمضان ، وأكثر الفقهاء يجعلون ذلك سنة وفضيلة ، وقد ذكر قوم من العلماء في هذا الباب عيادة المريض وتشميت العاطس ، قالوا : هذا كله فرض على الكفاية . وقال أهل الظاهر : بل ذلك كله فرض متعين ، واحتجوا بحديث البراء ابن عازب قال : أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بسبع ، ونهانا عن سبع : أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز

--> ( 1 ) حسن بشواهده : أخرجه مالك ( 2 / 595 ) مرسلا عن زيد بن أسلم ، وورد من حديث عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - ، عند أبي داود ( 5210 ) ، وأبى يعلى ( 441 ) ، وابن السني في « عمل اليوم والليلة » برقم ( 220 ) . وله شواهد عديدة خرجها العلّامة الألباني في « الإرواء » ( 778 ) . ( 2 ) في المطبوع : تعين إذن عليهما ، كذا ( المراجع ) .