ابن أبي العز الحنفي
71
شرح العقيدة الطحاوية
وينبغي أن [ يعرف ] أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق ، فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول ، وترك النظر والاستدلال الموصل إلى معرفته . فلما أعرضوا عن كتاب اللّه ضلوا ، كما قال تعالى : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى . قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً . قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى طه : 123 - 126 . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : تكفّل اللّه لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ، [ أن ] لا يضل في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآيات . وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « انها ستكون فتن » قلت : فما المخرج منها يا رسول اللّه ؟ قال : « كتاب اللّه ، فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، هو الفصل ، ليس بالهزل ، من تركه من جبّار قصمه اللّه ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللّه ، وهو حبل اللّه المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسن ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا تشبع « 2 » منه العلماء ، من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم » « 3 » إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث ، الدالة على مثل هذا المعنى . ولا يقبل اللّه من الأولين والآخرين دينا يدينون به ، الا أن يكون موافقا لدينه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم السلام . وقد نزّه اللّه تعالى نفسه عما يصفه العباد ، الا ما وصفه به المرسلون بقوله سبحانه : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ . وَالْحَمْدُ
--> ( 2 ) في الأصل : يشبع . وفي « سنن الترمذي » بالياء والتاء . ( 3 ) هذا حديث جميل المعنى ، ولكن اسناده ضعيف ، فيه الحارث الأعور ، وهو لين ، بل اتهمه بعض الأئمة بالكذب ، ولعل أصله موقوف على علي رضي اللّه عنه ، فأخطأ الحارث فرفعه إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وقد ضعفه محرجه الترمذي نفسه فقال : « لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وإسناده مجهول ، وفي الحارث مقال » .